مرايا

تقرير حين يصبح الهاتف شاهدًا على كل شيء..  

فائزة العجيلي

‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صورُ‭ ‬الأطفال‭ ‬ومقاطعهم‭ ‬التي‭ ‬تنشرها‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مجرد‭ ‬ذكريات‭ ‬عائلية‭ ‬محفوظة‭ ‬في‭ ‬الهاتف،‭ ‬بل‭ ‬تحولتْ‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬محتوى‭ ‬متاح‭ ‬للجميع‭.‬

صورة‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬دراسي،‭ ‬ومقطع‭ ‬بكائه،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬مرضه،‭ ‬ومشاجراته،‭ ‬وحتى‭ ‬لحظات‭ ‬العقاب،‭ ‬أو‭ ‬الفرح،‭ ‬قد‭ ‬تنتقل‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الأسرة‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬رقمي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬مساره‭.‬

المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالنشر‭ ‬وحده،‭ ‬إنما‭ ‬بغياب‭ ‬الوعي‭ ‬بما‭ ‬تعنيه‭ ‬الخصوصية‭ ‬الرقمية‭ ‬للطفل‭. ‬فالطفل‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬غالباً‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تقدير‭ ‬نتائج‭ ‬نشر‭ ‬صورته،‭ ‬أو‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته،‭ ‬بينما‭ ‬يملك‭ ‬الكبار‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬نيابة‭ ‬عنه‭. ‬وقد‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬اليوم‭ ‬بريئة،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬مادة‭ ‬للسخرية‭ ‬أو‭ ‬التنمر‭ ‬أو‭ ‬الإحراج،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يكبر‭ ‬صاحبها‭ ‬ويجد‭ ‬أن‭ ‬تفاصيل‭ ‬من‭ ‬طفولته‭ ‬أصبحتْ‭ ‬متاحة‭ ‬للغرباء‭. ‬وفي‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي؛‭ ‬حيث‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬متداخلة،‭ ‬يزداد‭ ‬خطر‭ ‬إعادة‭ ‬تداول‭ ‬الصور‭ ‬خارج‭ ‬سياقها‭. ‬فقد‭ ‬تُرسل‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬عائلية،‭ ‬ثم‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬مجموعات‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أصحابها‭ ‬الطفل‭ ‬ولا‭ ‬أسرته‭. ‬والأسوأ‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬تنشر‭ ‬مواقع‭ ‬وجود‭ ‬أطفالها،‭ ‬ومدارسهم،‭ ‬وأوقات‭ ‬خروجهم‭ ‬وعودتهم،‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬معلومات‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬متاحة‭ ‬للعامة‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬الأسر‭ ‬من‭ ‬مشاركة‭ ‬لحظاتها‭ ‬السعيدة،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الذكرى‭ ‬الخاصة،‭ ‬والمحتوى‭ ‬العام‭. ‬ويستطيع‭ ‬الأبُ‭ ‬والأم‭ ‬اعتماد‭ ‬قواعد‭ ‬بسيطة‭: ‬عدم‭ ‬نشر‭ ‬صور‭ ‬تكشف‭ ‬موقع‭ ‬الطفل،‭ ‬أو‭ ‬مدرسته،‭ ‬تجنب‭ ‬تصوير‭ ‬لحظات‭ ‬ضعفه‭ ‬أو‭ ‬مرضه‭ ‬أو‭ ‬عقابه،‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬بياناته‭ ‬الشخصية،‭ ‬والاستئذان‭ ‬منه‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬الفهم‭ ‬والاختيار‭.‬

المسؤولية‭ ‬هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعي‭ ‬أوسع‭. ‬فالتفاعل‭ ‬مع‭ ‬صور‭ ‬الأطفال‭ ‬بالسخرية‭ ‬أو‭ ‬التعليقات‭ ‬الجارحة‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬النشر‭ ‬دون‭ ‬إذن‭ ‬يزيد‭ ‬المشكلة‭. ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬الطفل‭ ‬باعتباره‭ ‬إنساناً‭ ‬له‭ ‬كرامته‭ ‬وحقه‭ ‬في‭ ‬الخصوصية،‭ ‬لا‭ ‬باعتباره‭ ‬وسيلة‭ ‬لجمع‭ ‬الإعجابات‭. ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬أطفالنا‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فقط‭ ‬بإغلاق‭ ‬أبواب‭ ‬البيوت،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بإغلاق‭ ‬الأبواب‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬نفتحها‭ ‬نحن‭ ‬بأيدينا‭. ‬وما‭ ‬ننشره‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬الطفل‭ ‬قد‭ ‬يرافقه‭ ‬غداً؛‭ ‬لذلك،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نضغط‭ ‬زر‭ ‬النشر،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭ ‬أنفسنا‭: ‬هل‭ ‬سيشكرني‭ ‬طفلي‭ ‬يوماً‭ ‬لأنني‭ ‬شاركت‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬أم‭ ‬سيتمنى‭ ‬لو‭ ‬أنني‭ ‬احتفظت‭ ‬بها‭ ‬لنفسي؟‭ ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬الآباء‭ ‬أن‭ ‬إعدادات‭ ‬الخصوصية‭ ‬ليست‭ ‬حماية‭ ‬مطلقة؛‭ ‬فالمحتوى‭ ‬المنشور‭ ‬يمكن‭ ‬تصويره‭ ‬أو‭ ‬حفظه‭ ‬وإعادة‭ ‬توزيعه‭. ‬لذلك‭ ‬يبقى‭ ‬القرار‭ ‬الأكثر‭ ‬أماناً‭ ‬هو‭ ‬التفكير‭ ‬قبل‭ ‬النشر،‭ ‬وتقليل‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬هوية‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬مكانه،‭ ‬أو‭ ‬روتينه‭ ‬اليومي‭. ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬الأبناء‭ ‬ألا‭ ‬يرسلوا‭ ‬معلوماتهم‭ ‬لأشخاص‭ ‬لا‭ ‬يعرفونهم،‭ ‬وأن‭ ‬يخبروا‭ ‬والديهم‭ ‬عند‭ ‬تعرضهم‭ ‬لضغط‭ ‬أو‭ ‬طلب‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى