لم تعد صورُ الأطفال ومقاطعهم التي تنشرها الأسر على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد ذكريات عائلية محفوظة في الهاتف، بل تحولتْ لدى بعض الأسر إلى محتوى متاح للجميع.
صورة الطفل في أول يوم دراسي، ومقطع بكائه، وتفاصيل مرضه، ومشاجراته، وحتى لحظات العقاب، أو الفرح، قد تنتقل خلال دقائق من دائرة الأسرة إلى فضاء رقمي لا يمكن التحكم في مساره.
المشكلة لا تتعلق بالنشر وحده، إنما بغياب الوعي بما تعنيه الخصوصية الرقمية للطفل. فالطفل لا يملك غالباً القدرة على تقدير نتائج نشر صورته، أو تفاصيل حياته، بينما يملك الكبار هذا القرار نيابة عنه. وقد تبدو الصورة اليوم بريئة، لكنها قد تصبح بعد سنوات مادة للسخرية أو التنمر أو الإحراج، خصوصاً عندما يكبر صاحبها ويجد أن تفاصيل من طفولته أصبحتْ متاحة للغرباء. وفي المجتمع الليبي؛ حيث ما تزال العلاقات الاجتماعية متداخلة، يزداد خطر إعادة تداول الصور خارج سياقها. فقد تُرسل الصورة في مجموعة عائلية، ثم تنتقل إلى مجموعات أخرى، أو تستخدم في حسابات لا يعرف أصحابها الطفل ولا أسرته. والأسوأ أن بعض الأسر تنشر مواقع وجود أطفالها، ومدارسهم، وأوقات خروجهم وعودتهم، دون إدراك أن هذه التفاصيل قد تكشف معلومات لا ينبغي أن تكون متاحة للعامة. ولا يعني ذلك الدعوة إلى منع الأسر من مشاركة لحظاتها السعيدة، وإنما إلى التمييز بين الذكرى الخاصة، والمحتوى العام. ويستطيع الأبُ والأم اعتماد قواعد بسيطة: عدم نشر صور تكشف موقع الطفل، أو مدرسته، تجنب تصوير لحظات ضعفه أو مرضه أو عقابه، عدم ذكر بياناته الشخصية، والاستئذان منه عندما يصبح قادراً على الفهم والاختيار.
المسؤولية هنا تبدأ من البيت، لكنها تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي أوسع. فالتفاعل مع صور الأطفال بالسخرية أو التعليقات الجارحة أو إعادة النشر دون إذن يزيد المشكلة. المطلوب أن نتعامل مع الطفل باعتباره إنساناً له كرامته وحقه في الخصوصية، لا باعتباره وسيلة لجمع الإعجابات. إن حماية أطفالنا لا تكون فقط بإغلاق أبواب البيوت، بل أيضاً بإغلاق الأبواب الرقمية التي نفتحها نحن بأيدينا. وما ننشره اليوم عن الطفل قد يرافقه غداً؛ لذلك، قبل أن نضغط زر النشر، علينا أن نسأل أنفسنا: هل سيشكرني طفلي يوماً لأنني شاركت هذه اللحظة، أم سيتمنى لو أنني احتفظت بها لنفسي؟ ومن المهم أن يدرك الآباء أن إعدادات الخصوصية ليست حماية مطلقة؛ فالمحتوى المنشور يمكن تصويره أو حفظه وإعادة توزيعه. لذلك يبقى القرار الأكثر أماناً هو التفكير قبل النشر، وتقليل التفاصيل التي تكشف هوية الطفل أو مكانه، أو روتينه اليومي. ينبغي أن يتعلم الأبناء ألا يرسلوا معلوماتهم لأشخاص لا يعرفونهم، وأن يخبروا والديهم عند تعرضهم لضغط أو طلب غير مناسب.

