مرايا

جارٌ بلا جيرة

فائزة العجيلي

‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الليبية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬يسكن‭ ‬بجوارنا؛‭ ‬كان‭ ‬سندًا‭ ‬في‭ ‬الشدة،‭ ‬وشريكًا‭ ‬في‭ ‬الفرح،‭ ‬وعينًا‭ ‬ترى‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تراه‭ ‬الأسرة‭. ‬كان‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الغائب‭ ‬واجبًا،‭ ‬وطرق‭ ‬الباب‭ ‬للاطمئنان‭ ‬سلوكًا‭ ‬طبيعيًا،‭ ‬وكانت‭ ‬المناسبات‭ ‬تجمع‭ ‬البيوت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬أصحابها‭.‬

اليوم‭ ‬تتغير‭ ‬الصورة‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً‭. ‬قد‭ ‬يعيش‭ ‬أشخاص‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬نفسها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬أحدهم‭ ‬اسم‭ ‬جاره،‭ ‬وقد‭ ‬تمر‭ ‬أزمة‭ ‬داخل‭ ‬بيت‭ ‬قريب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطرق‭ ‬بابه‭ ‬أحد‭. ‬انشغلنا‭ ‬بالهواتف،‭ ‬وضاقت‭ ‬دوائر‭ ‬التواصل،‭ ‬واتسعت‭ ‬المسافات‭ ‬بين‭ ‬النَّاس‭ ‬رغم‭ ‬تقارب‭ ‬البيوت‭. ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬تغير‭ ‬الزمن‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬قيمة‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬فالمجتمع‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بالقوانين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬بعلاقات‭ ‬إنسانية‭ ‬تحفظ‭ ‬تماسكه‭. ‬والجيرة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبسط‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬وأكثرها‭ ‬أثرًا‭. ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬جارك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬خصوصياته،‭ ‬وأن‭ ‬تسأل‭ ‬عنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تقتحم‭ ‬حياته‭. ‬المسألة‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬الجدار‭ ‬إنسانٌ‭ ‬قد‭ ‬يحتاج‭ ‬يومًا‭ ‬إلى‭ ‬كلمة،‭ ‬أو‭ ‬موقف،‭ ‬أو‭ ‬يد‭ ‬تمتد‭ ‬إليه‭. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬كثرت‭ ‬فيه‭ ‬الأزمات‭ ‬والضغوط،‭ ‬ربما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬شيء‭ ‬بسيط‭ ‬فقدناه‭: ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬بأننا‭ ‬لسنا‭ ‬وحدنا‭. ‬فليكن‭ ‬باب‭ ‬الجار‭ ‬طريقًا‭ ‬إلى‭ ‬الألفة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬جدار‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬بيتين‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى