في الذاكرة الليبية أكثر من شخص يسكن بجوارنا؛ كان سندًا في الشدة، وشريكًا في الفرح، وعينًا ترى ما قد لا تراه الأسرة. كان السؤال عن الغائب واجبًا، وطرق الباب للاطمئنان سلوكًا طبيعيًا، وكانت المناسبات تجمع البيوت قبل أن تجمع أصحابها.
اليوم تتغير الصورة شيئاً فشيئاً. قد يعيش أشخاص سنوات في العمارة نفسها دون أن يعرف أحدهم اسم جاره، وقد تمر أزمة داخل بيت قريب دون أن يطرق بابه أحد. انشغلنا بالهواتف، وضاقت دوائر التواصل، واتسعت المسافات بين النَّاس رغم تقارب البيوت. ليست المشكلة في تغير الزمن وحده، بل في تراجع قيمة المسؤولية الاجتماعية. فالمجتمع لا يُبنى بالقوانين والمؤسسات فقط، وإنما بعلاقات إنسانية تحفظ تماسكه. والجيرة واحدة من أبسط هذه العلاقات وأكثرها أثرًا. أن تعرف جارك لا يعني أن تتدخل في خصوصياته، وأن تسأل عنه لا يعني أن تقتحم حياته. المسألة أن يعرف كل منا أن خلف الجدار إنسانٌ قد يحتاج يومًا إلى كلمة، أو موقف، أو يد تمتد إليه. في زمن كثرت فيه الأزمات والضغوط، ربما نحتاج إلى استعادة شيء بسيط فقدناه: أن نشعر بأننا لسنا وحدنا. فليكن باب الجار طريقًا إلى الألفة، لا مجرد جدار يفصل بين بيتين.


