في عالمٍ تزدادُ فيه انحناءةُ الرقبة أمام الشاشات، يشتكي الملايين من صداعٍ مزمن ودوخةٍ متكرَّرة تنتهي غالبًا بتشخيصات غير حاسمة، إلا أنّ الخبراء وجهوا الأنظار مؤخرًا نحو الجاني الصامت: العضلات «تحت القذالية» التي تقع في ملتقى الجمجمة مع أول فقرتين عنقيتين. ورغم صغر حجم هذه العضلات، إلا أنها تشكل مثلثًا حيويًا تمر عبره الشرايين المغذية للدماغ وأعصاب حساسة، كما تعملُ كمثبتٍ ديناميكي للرأس بفضل اتصالاتها المباشرة مع غشاء «الأم الجافية» المحيط بالحبل الشوكي، ومراكز التوازن.
يبدأ الألم حين تضغط هذه العضلات المتشنجة على «العصب القذالي» الكبير، مما يولد صداعًا يمتد من مؤخرة الرأس إلى الجبهة، والعينين محاكيًا الشقيقة، بينما يؤدي إجهادها الناتج عن وضعية «الرأس المتقدم للأمام» إلى إرسال إشارات حسية متضاربة للدماغ، ما يسبب دوخة عنقية وشعورًا بعدم الاتزان.وتشير التقديرات إلى أن هذا الخلل مسؤول عن نحو %20 من حالات الصداع المزمن وما يصل إلى %40 من حالات دوار الرقبة.
لذا يبرز العلاج الطبيعي المتخصص كحل جذري يستهدف المسبب لا العرض؛ حيث أثبتت الدراسات فعالية التقنيات اليدوية في إرخاء العضلات وتحرير نقاط الزناد، إلى جانب الإبر الجافة وتمارين «طي الذقن» لتصحيح القوام. إن دمج هذه الوسائل في برنامج علاجي لعدة أسابيع يسهم في تحسين التكامل بين إشارات الرقبة والعين والأذن الداخلية، مما يقضي على الدوخة ويعيد التوازن المفقود بعيدًا عن الاعتماد المفرط على المسكنات.



