صحة

د. أبو دبوس : غياب التشريع يعطل وصايا المتوفيين زراعة الأعضاء نجاح طبي .. ومعاناة تشريعية

هدى الميلودي

تعد‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬التبرع‮»‬‭ ‬بالأعضاء‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لتطوير‭ ‬الصحة‭ ‬العامة،‭ ‬وتجسيداً‭ ‬لقيم‭ ‬التكافل‭ ‬الإنساني‭ ‬ومنح‭ ‬الحياة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتصحيح‭ ‬المفاهيم‭ ‬المغلوطة‭ ‬يظلان‭ ‬العائق‭ ‬الأكبر‭ ‬حاليًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬رئيس‭ ‬المنظمة‭ ‬الوطنية‭ ‬لدعم‭ ‬التبرع‭ ‬بالأعضاء،‭ ‬د‭.‬محمود‭ ‬أبو‭ ‬دبوس،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬الكوادر‭ ‬الطبية‭ ‬الليبية‭ ‬تمتلك‭ ‬الكفاءة‭ ‬والجاهزية‭ ‬التامة،‭ ‬ولا‭ ‬ينقصها‭ ‬سوى‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المواطن‭ ‬لتبني‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬الإنساني‭ ‬بهدف‭ ‬إنقاذ‭ ‬المرضى‭ ‬الموجودين‭ ‬على‭ ‬قوائم‭ ‬الانتظار‭.‬

كيف‭ ‬تقيمون‭ ‬مستوى‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬التسجيل‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬التبرع‭ ‬بعد‭ ‬الوفاة؟

الإقبالُ‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬متواضعًا،‭ ‬فرغم‭ ‬وجود‭ ‬الرغبة‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬وتسجيل‭ ‬أسمائهم‭ ‬بالفعل،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬لم‭ ‬تُعتمد‭ ‬رسميًا‭ ‬بعد‭ ‬كإجراء‭ ‬قانوني‭ ‬نافذ‭.‬

نحن‭ ‬في‭ ‬تواصل‭ ‬مستمر‭ ‬مع‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬لتطبيق‭ ‬نظام‭ ‬حضاري‭ ‬معمول‭ ‬به‭ ‬دوليًا،‭ ‬يقضي‭ ‬بإدراج‭ ‬خيار‭ )‬نعم،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬للتبرع‭( ‬ضمن‭ ‬المستندات‭ ‬الرسمية‭ ‬مثل‭ ‬كتيب‭ ‬العائلة‭.‬

حاليًا‭ ‬نسعى‭ ‬للتنسيق‭ ‬مع‭ ‬محرري‭ ‬العقود‭ ‬لتوثيق‭ ‬هذه‭ ‬الرغبات‭ ‬قانونيًا‭ ‬وشرعيًا‭ ‬لضمان‭ ‬تنفيذها‭.‬

ما‭ ‬الضمانات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬المنظمة‭ ‬لمنع‭ ‬استغلال‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬الإنساني‭ ‬وتحويله‭ ‬لتجارة‭ ‬أعضاء؟

الضمان‭ ‬الحقيقي‭ ‬والوحيد‭ ‬هو‭ ‬حصر‭ ‬التبرع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الأقارب‭ ‬حتى‭ ‬الدرجة‭ ‬الرابعة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الزوجين‭.‬

نحن‭ ‬نعترف‭ ‬بأننا‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬متدنية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التوسع‭ ‬الجغرافي‭ ‬لزراعة‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬منطقتي‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬والجنوب‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكنا‭ ‬في‭ ‬الهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬العامة‭ ‬لزراعة‭ ‬الأعضاء‭ ‬بطرابلس‭ ‬كوادر‭ ‬ليبية‭ ‬شابة‭ ‬من‭ ‬جراحين،‭ ‬وأطباء‭ ‬تخدير‭ ‬ومناعة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عالٍ‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭.‬

‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬أرقام‭ ‬توثق‭ ‬مسيرة‭ ‬زراعة‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬ليبيا؟

التاريخ‭ ‬يسجل‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬حالة‭ ‬زراعة‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬كانت‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬بإشراف‭ ‬د‭.‬ناصر‭ ‬الفيتوري‭ ‬وطاقم‭ ‬بولندي،‭ ‬ليتولى‭ ‬بعدها‭ ‬جراحون‭ ‬ليبيون‭ ‬أكفاء‭ ‬المهمة‭. ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬إجمالي‭ ‬العمليات‭ ‬الناجحة‭ )‬604‭( ‬عمليات‭ ‬زراعة‭ ‬كلى‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬2004،‭ ‬والآن‭ ‬لدينا‭ ‬قوائم‭ ‬انتظار‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬300‭ ‬شخص‭ ‬ينتظرون‭ ‬فرصة‭ ‬الزراعة‭ ‬من‭ ‬أقاربهم‭.‬

كيف‭ ‬يتم‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬لتوضيح‭ ‬الرأي‭ ‬الشرعي‭ ‬حول‭ ‬التبرع؟

نحن‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬دائم‭ ‬مع‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للأوقاف،‭ ‬والمحاكم،‭ ‬وقد‭ ‬نظمتْ‭ ‬المنظمة‭ ‬محاضرات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬ربوع‭ ‬ليبيا‭ ‬للتوعية،‭ ‬والتثقيف،‭ ‬وتوضيح‭ ‬الضوابط‭ ‬الشرعية‭ ‬التي‭ ‬تبيح‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬كصدقة‭ ‬جارية،‭ ‬ومنفعة‭ ‬للمجتمع‭.‬

هل‭ ‬واجهتم‭ ‬حالات‭ ‬تراجع‭ ‬فيها‭ ‬الأهالي‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬وصية‭ ‬المتوفى‭ ‬بالتبرع؟

في‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬نصل‭ ‬بعد‭ ‬لمرحلة‭ ‬تنفيذ‭ ‬وصايا‭ ‬المتوفين‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬تشريع‭ ‬قانوني‭ ‬يحمي‭ ‬هذه‭ ‬الوصية‭ ‬وينظمها،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬حاليًا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬أزمة‭ ‬ثقافة‭ ‬فحسب‭.‬

ماذا‭ ‬عن‭ ‬التشريعات؟،‭ ‬وهل‭ ‬ترون‭ ‬أن‭ ‬القوانين‭ ‬الحالية‭ ‬كافية‭ ‬لحماية‭ ‬المتبرع‭ ‬والمستفيد؟

نأملُ‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التشريعات‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الحصانة‭ ‬الكاملة‭ ‬للطرفين‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬لاستحداث‭ ‬قوانين‭ ‬قوية‭ ‬وواضحة‭ ‬وفق‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬تضمن‭ ‬حقوق‭ ‬المتبرع‭ ‬والمتلقي‭ ‬وتمنع‭ ‬أي‭ ‬ثغرات‭ ‬قد‭ ‬تُستغل‭.‬

التبرع‭ ‬بالأعضاء‭ ‬عملية‭ ‬حساسة‭ ‬زمنيًا؛‭ ‬فهل‭ ‬تمتلكون‭ ‬‮«‬بروتوكول‮»‬‭ ‬استجابة‭ ‬سريعة‭ ‬للنقل‭ ‬والتجهيز؟‭.‬

نعم‭ .. ‬لدينا‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬بروتوكول‭ ‬المسار‭ ‬السريع‭ ‬يبدأ‭ ‬العمل‭ ‬بمجرد‭ ‬تحديد‭ ‬حالة‭ ‬تبرع‭ ‬محتملة،‭ ‬حيث‭ ‬تُفعل‭ ‬وحدات‭ ‬العناية‭ ‬المركزة‭ ‬فرق‭ ‬التنسيق‭ ‬لإجراء‭ ‬الفحوصات‭ ‬الجينية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬قياسي‭. ‬كما‭ ‬نؤمن‭ ‬لوجستيات‭ ‬نقل‭ ‬متقدمة‭ ‬تشمل‭ ‬سيارات‭ ‬إسعاف‭ ‬وطائرات‭ ‬نقل‭ ‬طبي‭ ‬مجهزة‭ ‬لضمان‭ ‬بقاء‭ ‬العضو‭ ‬حيّا‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬الزمني‭ ‬الحيوي،‭ ‬لتقليل‭ ‬وقت‭ ‬الإقفار‭ ‬البارد‭ ‬ورفع‭ ‬نسب‭ ‬نجاح‭ ‬الزرع‭.‬

خاتمًا‭ ..‬‭ ‬يبقى‭ ‬ملف‭ ‬التبرع‭ ‬بالأعضاء‭ ‬أمانةً‭ ‬في‭ ‬أعناق‭ ‬المشرعين،‭ ‬والكوادر‭ ‬الطبية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

وبينما‭ ‬تبذل‭ ‬المنظمة‭ ‬الوطنية‭ ‬جهودًا‭ ‬مضنية‭ ‬لسد‭ ‬الفجوات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والتوعوية،‭ ‬يظل‭ ‬القانون‭ ‬هو‭ ‬الحلقة‭ ‬المفقودة‭ ‬لتحويل‭ ‬رغبات‭ ‬المتبرعين‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬يمنح‭ ‬الحياة‭ ‬للآخرين‭. ‬إن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬الجهود‭ ‬التطوعية‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي‭ ‬المنظم‭ ‬عبر‭ ‬المستندات‭ ‬الرسمية‭ ‬هو‭ ‬الخطوة‭ ‬الحضارية‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬مئات‭ ‬المرضى‭ ‬على‭ ‬قوائم‭ ‬الانتظار‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى