
مع اقتراب حلول عيد الأضحى تتحول أسواق المواشي في ليبيا إلى مؤشر حقيقي يكشف عمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن بعدما سجلت أسعار الأضاحي ارتفاعات غير مسبوقة في ظل تراجع القدرة الشرائية وغياب حلول حقيقية تعالج موضع الخلل وتنقذ قطاع الثروة الحيوانية من الانهيار.
وللأسف تفاقم الفجوة بين العرض والطلب انعكس بشكل مباشر على أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي فمن خلال مقارنة الأسعار في ليلة العيد العام الماضي 2025م كان أقل سعر لأضحية من 950 دينار إلى 2500دينار بينما هذا العام تراوحت أسعار الأغنام الوطنية ما بين 1800 ديار و2500 و4500 دينار فيما تجاوز بعضها حاجز 5000 دينار في عدد من الأسواق مدينة طرابلس.
الموازنة المرة
تحكي الحاجة خديجة منصور معاناتها قائلة: أتقاضى معاش ضمان ومنحة الأبناء المتأخرة دائماً وللأسف مع زيادة الأسعار بات شراء الأضحية حلم لأطفالنا.
موضحة أنها لم تشتري أضحية العام الماضي ولم تستطع مزاحمة الرجال للحصول على أضحية من دعم البلديات ولم تعثر على معرفة أو واسطة في الجهات التي توزع أضاحي مجانية للأسر المحتاجة فالمخصص أعداد محدودة وأغلب الأسر رواتبهم لا تكفي شراء أضاحي مرتفعة الثمن.
ومن جانبه يعلق الحاج خليفة بن موسى: اشتريت العام الماضي أضحية بالقرض الحسن حيث بيعت الأضاحي المستوردة كالإسباني بسعر 1200دينار فيما ارتفعت الأسعار لهذا العام بين 2500 د إلى 5000 وهو رقم كبير بالنسبة لذوي الدخل المحدود، حتى ولو أخذنا قرض حسن فذلك يؤثر على الإيفاء بباقي احتياجاتنا. وختم حديثه بصوت يملؤوه الحسرة: الأسعار فوق قدرتنا تمامًا، والأضحية صارت حلما بعيد المنال، نحاول فقط نوفر لقمة العيش لأطفالنا وهم يسألونني كل سنة: هل في خروف العيد هذا العام؟ للأسف لا أملك الإجابة.
خطر يهدد المربين
وأفادنا عبدالسلام السنوسي الشريف نائب رئيس نقابة الفلاحين والمربين في سبها أن الفلاحين والمربيين يواجهون في بلدية سبها والبلديات المجاورة جملة من التحديات تؤثر بشكل مباشر على استمرارية نشاطهم الزراعي منها تآكل وقدم الآلات والمعدات الزراعية وغلاء أسعار الآلات الجديدة كما أن توقف المشاريع الزراعية جعل المربي يعتمد على الأعلاف المستوردة مرتفعة الثمن، لافتا إلى أن سعر شوال العلف ارتفع من 60 دينارًا سابقًا إلى قرابة 190 دينارًا حاليًا ما تسبب في ارتفاع تكلفة تربية الخراف بشكل كبير وانعكس مباشرة على أسعار الأضاحي في الأسواق.
وقال العقيد محمد شعبان الغرياني من جهاز الشرطة الزراعية في مدينة غريان أن تهريب المواشي عبر الحدود الليبية يُعد من أخطر العوامل التي ساهمت في استنزاف الثروة الحيوانية ما تسبب في خلل واضح داخل السوق المحلي وزاد من أزمة نقص المعروض وارتفاع الأسعار محذرا من تأثير دخول بعض السلالات من الأغنام المستوردة.
تعزيز التوعية الزراعية
وشدد المهندس الزراعي محمد البوعيشي على أهمية تعزيز التوعية الإعلامية على الصعيد الزراعي الذي يعد عنصرًا مهمًا في مواجهة هذه التحديات ليس فقط لرفع الإنتاج وتحسين جودة الثروة الحيوانية الوطنية بل أيضًا لمكافحة الأمراض الوبائية وتثقيف المربين حول أساليب الوقاية والرعاية الحديثة.
وحذر الحسين المرادي موجه في التعليم الفني من خطورة تهريب الأغنام إلى دول الجوار الذي يُعد من أخطر الأسباب التي ساهمت في تفاقم الأزمة خصوصا تهريب سلالة الخروف البرقاوي المعروفة بجودتها وارتفاع الطلب عليها خارج ليبيا. موضحاً أن بعض التجار والمربين يفضلون بيع المواشي في الأسواق الخارجية بسبب الأرباح الأكبر ما يؤدي إلى تقليص الكميات المطروحة داخل السوق الليبي وبالتالي ارتفاع الأسعار بصورة متسارعة مع اقتراب عيد الأضحى.
واقترح الناشط المدني صالح الشيباني بعض الحلول لتجاوز المشكلة وهي دعم الأعلاف لتقليل تكاليف التربية والإنتاج والاهتمام بالمراعي الطبيعية وتوفير دعم مباشر للمربين الصغار فيما يرى يونس عمر عبد الكريم رئيس مؤسسة فزان للغذاء والتنمية والزراعة بضرورة والتشديد على عدم دبح النعاج لأن ذبحها هو أحد أسباب نقص السلالة الوطنية
ولا يعتبر محمود المشرقي أحد تجار الأغنام أن ارتفاع أسعار الأضاحي مجرد أزمة موسمية مرتبطة بعيد الأضحى بل أصبح انعكاسًا واضحًا لأزمة أعمق تضرب قطاع الثروة الحيوانية والاقتصاد المحلي بشكل عام، وفي المقابل يدفع وسيم جمال أبو بكر مدير مكتب ريادة وحاضنات الأعمال ببلدية عين زارة بضرورة تشجيع برنامج كوبونات أضاحي العيد من جانب البلديات لدعم الأسر محدودة الدخل بهدف التخفيف من الأعباء الاقتصادية التي تواجهها.



