
في الوقت الذي يتفاخر فيه المسؤولون بجلب أحدث أجهزة العلاج الإشعاعي، يواجه مرضى الأورام في ليبيا واقعًا مريرًا تلخصه طوابير الانتظار الطويلة، والغياب التام للدعم الحكومي. إنها مفارقة يمتزج فيها التطور التقني بالفساد الإداري والمالي؛ حيث تُترك الأطقم الطبية المنهكة لتوجه مصيرها بمفردها بلا حوافز ولا علاوة خطر، وفي غياب شبه كامل لخطط استراتيجية ترعى المريض، أو الطبيب نفسيًا.
صحيفة )فبراير( كان لها حوار مع د.مفيدة المصراتى استشاري علاج أورام اشعاعي لتحدثنا عن معاناة المصابين بالسرطان .
دكتورة ما هو الوضع الحالي لقوائم انتظار مرضى الأورام، وتحديدًا سرطان بطانة الرحم، مقارنة بالسنوات الماضية؟.
شهدتْ قوائم الانتظار تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة. في السابق كنا نعاني من عجز كبير في مراكز العلاج الإشعاعي على مستوى ليبيا، ونقص حاد في التقنيات الحديثة اللازمة لسرطان بطانة الرحم، وهي حالات تستلزم جرعات إشعاعية عالية ودقيقة جدًا لحماية الأعضاء الحساسة المحيطة بالأورام.
هذه التقنيات كانتْ شبه غائبة، أو متوفرة على استحياء في بنغازي ومصراتة، أما الآن فقد توفرتْ في المنطقة الغربية وداخل العاصمة طرابلس. كما أن العلاج الداخلي «المكمل للخارجي» بات متوفرًا في مصراتة. ورغم هذا التحسن ما زال هناك بعض التأخير؛ فالبروتوكول الطبي يستلزم بدء العلاج الإشعاعي خلال شهرين بعد العملية، وهو ما لا يتحقَّق دائمًا بسبب الازدياد المستمر في أعداد الإصابات لأنواع الأورام كافة.
رغم توفر الأجهزة والكوادر، ما أبرز العوائق التي تواجه الأطقم الطبية وتدفع بعضهم للنفور من هذا التخصص الدقيق؟
الكوادر الطبية متوفرة، لكن الإشكالية تكمن في غياب دعم الدولة للأطقم الطبية والطبية المساعدة. هناك غيابٌ تام للمكافآت التشجيعية، وعدم صرف «علاوة الخطر» لجميع العاملين في قطاع الأشعة، وهو ما يخالف القوانين واللوائح المنظمة للعمل. هذا الإجحاف تسبب في نفور الأطباء من تخصص العلاج الإشعاعي، خاصة وأنه تخصص مشحون بالضغوط النفسية الناتجة عن التعامل اليومي مع مرضى منهارين نفسيًا يحتاجون لعلاج فوري وسط بيئة مزدحمة. الأجهزة والقدرة على تطبيق الإرشادات الطبية متوفرة وليست معقدة، لكن الخلل الحقيقي هو إهمال الدولة للجانب التحفيزي والمادي لهذه الكوادر.
يعاني مرضى الأورام والأطقم الطبية من ضغوطات هائلة، أين يكمن دور الدعم النفسي في مراكزكم العلاجية؟
للأسف، هناك غيابٌ تام للدعم النفسي، ليس للمريض فحسب، بل وحتى للعاملين في مجال الأورام من أطباء وتمريض، وهم الأشد حاجة له جراء الاحتراق الوظيفي. هذا الغياب ناتج عن انعدام الخطط الاستراتيجية والإدارة الرشيدة في قطاع الصحة وعلى مستوى الدولة عامة، وهو واقع لمسته شخصيًا في كافة المراكز التي عملت بها. ومع ذلك، نحاول في مركزنا الحديث «الذي أُنشئ منذ ثلاث سنوات» تدارك هذا العجز، ونحن بصدد توفير معالج نفسي متخصص للتعامل مع مريضات سرطان عنق الرحم والأورام الأخرى.
لماذا تفتقر المنظومة الصحية في ليبيا لإحصائيات دقيقة ودراسات واضحة حول نسب الإصابة بالأورام؟
غياب الإحصائيات والدراسات يعود إلى تقاعس المؤسسات المعنية بمتابعة وتوفير هذه البيانات عن أداء مهامها. هذه المسؤولية لا تقع عاتق المراكز العلاجية؛ فالطبيب يستهلك كامل وقته وجهده مع المريض في التشخيص، التقييم، وتحديد مراحل العلاج والمتابعة. التقصير يأتي من الجهات العليا وعدم دعم الدولة للمراكز البحثية والهيئات المعنية بالدراسات الإحصائية.
هل تغطي أجهزة العلاج الإشعاعي المتوفرة حاليًا الكثافة السكانية في العاصمة طرابلس وباقي المدن؟
لا .. هناك تقصير واضح من وزارة الصحة وأجهزة الدولة المعنية بتوفير الأجهزة. من المفترض ألا تضم العاصمة طرابلس أقل من 3 مراكز علاج إشعاعي مجهزة بأحدث التقنيات. للاسف، يوجد حالياً مركز واحد فقط يوفر العلاج الخارجي لبطانة الرحم، أما العلاج الداخلي «المصدر المشع المهبلي كجرعة تعزيزية» فغير متوفر إلا في مدينة مصراتة، مما يضطر جميع مرضى طرابلس وليبيا بالكامل للسفر إلى هناك لاستكمال علاجهم، وهذا هو السبب الرئيس وراء بقاء قوائم الانتظار قائمة، وإن كانت أفضل من السابق.
هل ما زالتْ مراكز الأورام تعتمد على التقنيات القديمة في العلاج، أم أن هناك مواكبة للتطور التكنولوجي؟
العلاج بالتقنيات القديمة انتهى تقريباً. في السابق، كنا نخيّر المريض في حال عدم توفر التقنية الحديثة بين العلاج في الخارج أو القبول بالتقنيات التقليدية ثلاثية الأبعاد أما الآن، فجميع المراكز المشغّلة للأجهزة تعتمد التقنيات الحديثة اللازمة، باستثناء مركز واحد فقط (أتحفظ عن ذكر اسمه). هذا المركز يقوم حالياً بإحالة حالاته إلى المركز الرئيسي في طرابلس، وهو ما يفسر حدوث حالة من الاكتظاظ والضغط المتزايد داخل العاصمة.
كيف يتم التعامل مع الأخطاء الطبية أو الإشعاعية، وهل هناك لجان تحقيق ومتابعة فاعلة؟
الأخطاء الإشعاعية -للأمانة- كادت تكون لا تذكر. لكن بشكل عام، هناك غياب تام للجان التحقيق والمتابعة الفاعلة، وغياب للقضاء النزيه المتخصص في هذا الجانب، وهو أمر يعاني منه قطاع الصحة أسوة ببقية قطاعات الدولة التي تشهد تراجعاً في الرقابة والمحاسبة نتيجة الظروف الراهنة.
يتعرض الأختصاصيون الكبار لبعض اللوم أحياناً، من يتحمل المسؤولية الحقيقية عن نقص المستلزمات وتأخر التحديثات التقنية؟
الأخصائيون الكبار لا يقع عليهم أي لوم؛ فهم منهكون تماماً في استقبال المرضى، علاجهم، وشرح فوائد ومضاعفات الجرعات لهم، وهم يضعون مصلحة المريض أولاً. المسؤولية تقع بالكامل على عاتق الطابور الإداري والمسؤولين في القطاع؛ فهم الملزمون بمواكبة التقنيات الجديدة وتوفير المستلزمات للمراكز. الفساد الإداري والمالي .



