رأي

طائف من الميداني

أمين مازن

أتاحتْ‭ ‬ليّ‭ ‬عادتي‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬اتبعها‭ ‬في‭ ‬تعاملي‭ ‬مع‭ ‬البث‭ ‬التلفزيوني‭ ‬فأترك‭ ‬الصدفة‭ ‬وحدها‭ ‬لتوقعني‭ ‬حيث‭ ‬تشاء‭ ‬المقادير‭ ‬فتكون‭ ‬أمامي‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون‭ ‬التونسي،‭ ‬وقناته‭ ‬الوطنية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬توثيقي‭ ‬عن‭ ‬الجنوب‭ ‬التونسي‭..‬مولد‭ ‬ونشأة‭ ‬أحد‭ ‬أخلص‭ ‬أصدقائنا‭ ‬هو‭ ‬المرحوم‭ ‬‮«‬الميداني‭ ‬صالح‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬سبقتْ‭ ‬زوابع‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬عندما‭ ‬هبَّتْ‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬واقتضتْ‭ ‬مغادرة‭ ‬زين‭ ‬العابدين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬منصبه‭ ‬كرئيس‭ ‬لتونس‭ ‬أولاً‭ ‬وأحد‭ ‬مواطنيها‭ ‬ثانيًا،‭ ‬وقد‭ ‬كانتْ‭ ‬حصة‭ ‬البث‭ ‬متعلقة‭ ‬بالبيت‭ ‬التونسي‭ ‬والحديث‭ ‬لـ«لميداني‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬اتحاد‭ ‬كتّاب‭ ‬تونس‭ ‬وبالأحرى‭ ‬رئاسته،‭ ‬وإنما‭ ‬لاختصاصه‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬التاريخ‭ ‬وأحد‭ ‬الناشطين‭ ‬السياسيين‭ ‬ذوي‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬الوحدوية‭ ‬وبالتحديد‭ ‬الهوية‭ ‬البعثية،‭ ‬مما‭ ‬أعطى‭ ‬حديثه‭ ‬نكهة‭ ‬خاصة‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬مكونات‭ ‬البيت‭ ‬التونسي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الموقع‭ ‬والغرف‭ ‬واحتياجات‭ ‬الحياة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تحدَّدتْ‭ ‬تاريخيًا‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الإنسان‭ ‬الأمازيغي‭ ‬الأول،‭ ‬فلم‭ ‬تتأثر‭ ‬من‭ ‬التعريب‭ ‬المفروض‭ ‬ولم‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬ردة‭ ‬الفعل‭ ‬التي‭ ‬جاءتْ‭ ‬بعدها،‭ ‬إنها‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬عرفتُها‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الشخصي‭ ‬في‭ ‬الصديق‭ ‬‮«‬الميداني‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬شاءتْ‭ ‬الأقدار‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الانتقالية‭ ‬التي‭ ‬تعذّرَ‭ ‬معها‭ ‬أداء‭ ‬أي‭ ‬واجب‭ ‬من‭ ‬الواجبات‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬أسستْ‭ ‬تونس‭ ‬اتحاد‭ ‬كتّابها‭ ‬بفضل‭ ‬مساعي‭ ‬أبرز‭ ‬مثقفيها‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬الصادقية‭ ‬الذين‭ ‬قادوا‭ ‬مشروع‭ ‬التحديث‭ ‬وحافظوا‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬معنا‭ ‬معشر‭ ‬الليبيين‭ ‬حتى‭ ‬ونحن‭ ‬نشهد‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬التشنج‭ ‬الذي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬وردة‭ ‬الفعل‭ ‬بين‭ ‬سلطتي‭ ‬البلدين،‭ ‬فيما‭ ‬ظلتْ‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬مثقفي‭ ‬البلدين‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬خلافات‭ ‬الأنظمة‭ ‬وعلاقات‭ ‬الثقافة‭ ‬سواء‭ ‬واتحاد‭ ‬كتَّاب‭ ‬تونس‭ ‬يقوده‭ ‬المزالي،‭ ‬أو‭ ‬العروسي‭ ‬المطوي‭ ‬وأخيرًا‭ ‬الميداني‭ ‬والهاشمي‭ ‬بلوزة‭ ‬وصلاح‭ ‬الدين‭ ‬بوجاه،‭ ‬وكان‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬التونسي‭ ‬خير‭ ‬فضاء‭ ‬لتسليط‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬النصوص‭ ‬الليبية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬ترفعتْ‭ ‬عن‭ ‬التبعية‭ ‬المكشوفة‭ ‬فكانتْ‭ ‬تقرأ‭ ‬مشتركة‭ ‬وتناقش‭ ‬مشتركة‭ ‬وتتسع‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬مرة‭ ‬لأسماء‭ ‬مرموقة‭ ‬يحضرني‭ ‬منهم‭ ‬سعيد‭ ‬يقطين‭ ‬وواسيني‭ ‬الأعرج،‭ ‬وتوفيق‭ ‬بكار،‭ ‬وآخرين‭ ‬غيرهم‭ ‬كثر‭ ‬مثلتْ‭ ‬أمامي‭ ‬وجوههم‭ ‬الكريمة‭ ‬والصدفة‭ ‬تشرع‭ ‬أمامي‭ ‬أبواب‭ ‬هذه‭ ‬التلفزة‭ ‬القادرة‭ ‬أبدًا‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬هوامشها‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبقى‭ ‬وأدلّ‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬استغلال‭ ‬المتاح‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أجدى‭. ‬والرحمة‭ ‬والرضوان‭ ‬للميداني‭ ‬ولمن‭ ‬حواه‭ ‬ذلك‭ ‬الدرب‭ ‬الطويل‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى