اقتصاد

طرابلس على طاولات المقاهي حكاية مدينة تغيرت مقاهيها وتغيرت معها وجوه الناس

صلاح اشتيوي

ليستْ‭ ‬المقاهي‭ ‬طاولات‭ ‬وكراسٍ‭ ‬تنتظر‭ ‬روادها‭ ‬فحسب؛‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬ذاكرة‭ ‬تتكيء‭ ‬عليها‭ ‬المدينة،‭ ‬ومساحة‭ ‬تلتقي‭ ‬فيها‭ ‬الحكايات،‭ ‬والوجوه‭.‬

في‭ ‬طرابلس؛‭ ‬حيث‭ ‬تختلط‭ ‬رائحة‭ ‬البحر‭ ‬بعبق‭ ‬الأزقة‭ ‬القديمة،‭ ‬كانت‭ ‬القهوة‭ ‬موعدًا‭ ‬بين‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬ونافذةً‭ ‬للأخبار،‭ ‬وملاذًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬لمن‭ ‬أثقلته‭ ‬الحياة‭ .. ‬لكن‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬اعتادتْ‭ ‬الجلوسَ‭ ‬معًا‭ ‬باتتْ‭ ‬تحمل‭ ‬إلى‭ ‬الطاولات‭ ‬انشغالات‭ ‬جديدة‭: ‬هاتفًا‭ ‬يضيء،‭ ‬أو‭ ‬كتابًا‭ ‬مفتوحًا،‭ ‬أو‭ ‬عملًا‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭.‬

فهل‭ ‬تغيّرتْ‭ ‬المقاهي‭ ‬لأنَّ‭ ‬النَّاس‭ ‬تغيّروا،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة‭ ‬تبدّل،‭ ‬فانعكس‭ ‬على‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالأماكن‭ ‬وببعضهم؟‭.‬

حين‭ ‬كانت‭ ‬الطاولة‭ ‬موعدًا

في‭ ‬أحد‭ ‬مقاهي‭ ‬‮«‬الأورورا‮»‬،‭ ‬وقبل‭ ‬العاشرة‭ ‬صباحًا،‭ ‬يجلس‭ ‬العم‭ ‬منصور،‭ ‬ذو‭ ‬الثلاثة‭ ‬والستين‭ ‬عامًا،‭ ‬إلى‭ ‬طاولته‭ ‬المعتادة‭. ‬لا‭ ‬يرفع‭ ‬عينيه‭ ‬عن‭ ‬فنجانه‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يمرّ‭ ‬أحد‭ ‬معارفه؛‭ ‬يتبادلان‭ ‬التحية،‭ ‬وكلمات‭ ‬قليلة،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬جلسته‭.‬

لا‭ ‬يرى‭ ‬منصور‭ ‬المقهى‭ ‬مكانًا‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬كأنه‭ ‬غرفة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬المدينة،‭ ‬بابها‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬ونوافذها‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬أخبار‭ ‬الناس‭. ‬يستعيد‭ ‬أيامًا‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬القهوة‭ ‬موعدًا‭ ‬غير‭ ‬مكتوب؛‭ ‬يعرف‭ ‬المرء‭ ‬أين‭ ‬يجد‭ ‬أصدقاءه،‭ ‬ويعرفون‭ ‬أين‭ ‬يجدونه‭. ‬وكانت‭ ‬الطاولة‭ ‬المألوفة‭ ‬أشبه‭ ‬بمقعد‭ ‬محفوظ‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجماعة‭.‬

لا‭ ‬يشتاق‭ ‬منصور‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬خاليًا‭ ‬من‭ ‬المتاعب،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬عابر‭ ‬يمرّ‭ ‬بجوارهم‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬الذكرى‭ ‬من‭ ‬مبالغة‭ ‬الحنين؛‭ ‬فلكل‭ ‬زمن‭ ‬همومه،‭ ‬وقد‭ ‬تمنح‭ ‬الذاكرة‭ ‬الماضي‭ ‬ألوانًا‭ ‬أدفأ‭ ‬مما‭ ‬كان‭. ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬المطلوب‭ ‬استعادة‭ ‬زمن‭ ‬مضى،‭ ‬بل‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬لقاءاته‭ ‬ذات‭ ‬معنى،‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭.‬

الشباب‭ ‬بين‭ ‬الصحبة‭ ‬والشاشة

في‭ ‬مقهى‭ ‬‮«‬الرواق‮»‬‭ ‬قرب‭ ‬شارع‭ ‬النصر،‭ ‬يجلس‭ ‬رياض‭ ‬القلالي،‭ ‬الطالب‭ ‬الجامعي‭ ‬في‭ ‬العشرينيات،‭ ‬مع‭ ‬صديقين‭. ‬أمامهم‭ ‬فناجين‭ ‬القهوة،‭ ‬وفي‭ ‬أيديهم‭ ‬هواتف‭ ‬تضيء‭ ‬بالإشعارات‭. ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشاشة‭ ‬حلّت‭ ‬محل‭ ‬الجلسة،‭ ‬لكن‭ ‬كلام‭ ‬رياض‭ ‬يرسم‭ ‬حكاية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭.‬

يقول‭: ‬نطلعوا‭ ‬للقهوة‭ ‬باش‭ ‬نشوفوا‭ ‬بعضنا،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬عنده‭ ‬دراسة‭ ‬وشغل‭ ‬وحاجات‭ ‬يتابع‭ ‬فيها‭. ‬مرات‭ ‬نقعدوا‭ ‬ونتكلموا،‭ ‬ومرات‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬ينشغل‭ ‬بتلفونه‭. ‬ومع‭ ‬هذا،‭ ‬القعدة‭ ‬عندها‭ ‬قيمة،‭ ‬لأنك‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كنتَ‭ ‬مشغولًا،‭ ‬تحس‭ ‬إن‭ ‬أصحابك‭ ‬قريبين‭ ‬منكَ‭.‬

في‭ ‬حديثه‭ ‬مفارقة‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭:‬‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين،‭ ‬لكنَّنا‭ ‬لا‭ ‬نتفرغ‭ ‬لهم‭ ‬دائمًا‭. ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الصحبة،‭ ‬ونحمل‭ ‬إلى‭ ‬مجلسها‭ ‬انشغالاتنا؛‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬حاضرين،‭ ‬ونخشى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬يفوتنا‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬المقاهي‭ ‬فضاءً‭ ‬للحديث‭ ‬وحده؛‭ ‬فقد‭ ‬اتخذها‭ ‬بعض‭ ‬الطلبة‭ ‬مكانًا‭ ‬للدراسة‭ ‬وإنجاز‭ ‬البحوث،‭ ‬هربًا‭ ‬من‭ ‬رتابة‭ ‬المنزل‭ ‬أو‭ ‬طلبًا‭ ‬للإنترنت‭ ‬والعمل‭ ‬بين‭ ‬الزملاء‭. ‬تتجاور‭ ‬الكتب،‭ ‬والحواسيب‭ ‬مع‭ ‬فناجين‭ ‬القهوة،‭ ‬ويصير‭ ‬ضجيج‭ ‬المكان‭ ‬خلفية‭ ‬مألوفة‭ ‬للتركيز‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاستخدام‭ ‬يثير‭ ‬أسئلة‭ ‬عملية‭: ‬هل‭ ‬تتوافر‭ ‬للطلبة‭ ‬مقاعد‭ ‬مريحة‭ ‬وإنترنت‭ ‬مناسب؟‭ ‬وهل‭ ‬تسمح‭ ‬أسعار‭ ‬المشروبات‭ ‬بالبقاء‭ ‬ساعات؟‭ ‬وهل‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬مكتبات‭ ‬وفضاءات‭ ‬عامة‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة؟

ليس‭ ‬من‭ ‬الإنصاف‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬شاشة‭ ‬هاتف،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬طالب‭ ‬اختار‭ ‬المقهى‭ ‬للدراسة‭. ‬الأجدى‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬ما‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭ ‬رواد‭ ‬المكان،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجدونه‭ ‬فيه،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يفتقدونه‭ ‬حين‭ ‬يغادرونه‭. ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬المقهى‭ ‬لبعضهم‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬يومهم‭ ‬الدراسي‭ ‬والمهني،‭ ‬لا‭ ‬محطة‭ ‬عابرة‭ ‬للقاء‭ ‬الأصدقاء‭ ‬فقط‭.‬

صاحب‭ ‬المقهى‭ ‬وحساب‭ ‬الفنجان

خلف‭ ‬كل‭ ‬طاولة‭ ‬حكايةٌ‭ ‬لا‭ ‬يسمعها‭ ‬الزبائنُ‭ ‬عادةً؛‭ ‬حكاية‭ ‬صاحب‭ ‬المقهى‭ ‬الذي‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابه‭ ‬صباحًا،‭ ‬ويبدأ‭ ‬يومه‭ ‬بالتزامات‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬الواجهة‭. ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬‮«‬الرواق‮»‬،‭ ‬يتابع‭ ‬عماد‭ ‬شرف‭ ‬الدين،‭ ‬صاحب‭ ‬المقهى،‭ ‬العاملين‭ ‬وحركة‭ ‬الزبائن،‭ ‬ويحاول‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬راحة‭ ‬النَّاس‭ ‬وما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬المكان‭ ‬ليستمر‭.‬

يقول‭:‬‭ ‬الزبون‭ ‬يشوف‭ ‬القهوة‭ ‬قدامه،‭ ‬لكن‭ ‬صاحب‭ ‬المقهى‭ ‬يحسب‭ ‬البن،‭ ‬والكهرباء،‭ ‬والإيجار،‭ ‬وأجور‭ ‬العاملين‭. ‬وتوا‭ ‬حتى‭ ‬الطلبة‭ ‬يجو‭ ‬ومعاهم‭ ‬اللابتوبات،‭ ‬ويقعدوا‭ ‬يقروا‭ ‬ويخدموا‭ ‬على‭ ‬بحوثهم‭. ‬بعضهم‭ ‬يقعد‭ ‬ساعات،‭ ‬ولهذا‭ ‬لازم‭ ‬المكان‭ ‬يكون‭ ‬مريحًا،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬عندكَ‭ ‬مصاريف‭ ‬والتزامات‭.‬

في‭ ‬كلماته‭ ‬مفارقة‭ ‬بسيطة‭:‬‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬النَّاس‭ ‬فسحةً‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬يحتاج‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬بقاءه‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة،‭ ‬قد‭ ‬يقلَّل‭ ‬الزبون‭ ‬زياراته،‭ ‬أو‭ ‬يختار‭ ‬طلبًا‭ ‬أقل‭ ‬كلفة،‭ ‬فيما‭ ‬يواجه‭ ‬صاحب‭ ‬المقهى‭ ‬نفقات‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬تجاهلها‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬سعر‭ ‬فنجان‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭ ‬مقارنةً‭ ‬بين‭ ‬مشروبين‭ ‬فحسب؛‭ ‬إنها‭ ‬صورة‭ ‬صغيرة‭ ‬عن‭ ‬تبدل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الحياة‭ .. ‬كما‭ ‬يفرض‭ ‬تنوع‭ ‬رواد‭ ‬المقهى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬حاجات‭ ‬مختلفة‭.‬‭ ‬فالطالب‭ ‬الذي‭ ‬يطلب‭ ‬فنجانًا‭ ‬ويجلس‭ ‬ساعات‭ ‬لإنجاز‭ ‬بحثه‭ ‬ليس‭ ‬كالأصدقاء‭ ‬الذين‭ ‬يأتون‭ ‬للحديث‭ ‬ثم‭ ‬يغادرون‭ ‬سريعًا‭. ‬ولا‭ ‬ينتقص‭ ‬اختلاف‭ ‬الاستخدام‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬أيٍّ‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬لكنه‭ ‬يجعل‭ ‬راحة‭ ‬الجميع‭ ‬مسؤولية‭ ‬تستدعي‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ ‬والتفاهم‭.‬

مجلسٌ‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الحكايات

في‭ ‬المقاهي‭ ‬الشعبية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬أماكن‭ ‬اللقاء،‭ ‬يبدأ‭ ‬الحديث‭ ‬بمباراة،‭ ‬أو‭ ‬خبر‭ ‬يومي،‭ ‬ثم‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬الأسعار‭ ‬والعمل‭ ‬والدراسة‭ ‬ومستقبل‭ ‬الأبناء‭. ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬رسمي‭ ‬كي‭ ‬يمنح‭ ‬النَّاس‭ ‬فرصة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬آرائهم‭.‬

يقول‭ ‬يوسف،‭ ‬أحد‭ ‬رواد‭ ‬المقاهي‭:‬‭ ‬مرات‭ ‬تسمع‭ ‬رأيًا‭ ‬يخالف‭ ‬رأيكَ‭ ‬تمامًا،‭ ‬وتدخلوا‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬طويل‭.‬

المهم‭ ‬إنكَ‭ ‬تعرف‭ ‬تسمع‭ ‬للثاني،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬ما‭ ‬اقتنعتش‭ ‬بكلامه‭. ‬مش‭ ‬كل‭ ‬اختلاف‭ ‬لازم‭ ‬ينتهي‭ ‬بزعل‮»‬‭.‬

هنا‭ ‬تتجاوز‭ ‬القهوة‭ ‬وظيفة‭ ‬الضيافة؛‭ ‬فقد‭ ‬يصبح‭ ‬المقهى‭ ‬مكانًا‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬المختلفون‭ ‬ويتعلمون‭ ‬أن‭ ‬التعايش‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاتفاق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬وأهمية‭ ‬المجلس‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬الاختلاف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬خصومة،‭ ‬وفي‭ ‬منحه‭ ‬المدينة‭ ‬فرصةً‭ ‬صغيرة‭ ‬كي‭ ‬تسمع‭ ‬أصواتها‭ ‬المتعددة‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬تخبرنا‭ ‬به‭ ‬المقاهي؟

لو‭ ‬امتلكَ‭ ‬كل‭ ‬مقهى‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬دفترًا‭ ‬يدون‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يسمعه،‭ ‬لاحتوى‭ ‬الدفتر‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬المدينة‭ ‬غير‭ ‬الرسمي‭: ‬قلق‭ ‬على‭ ‬الأبناء،‭ ‬انتظار‭ ‬لوظيفة،‭ ‬أحلام‭ ‬بالسفر،‭ ‬أحياء‭ ‬تبدلتْ‭ ‬ملامحها،‭ ‬وأصدقاء‭ ‬فرقتهم‭ ‬المسافات‭ ‬ثم‭ ‬أعادتهم‭ ‬الصدفة‭ ‬إلى‭ ‬الطاولة‭ ‬نفسها‭.‬

قد‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬صغيرة،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬نسيج‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬فالتاريخ‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬وحدها؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عادات‭ ‬النَّاس،‭ ‬والأماكن‭ ‬التي‭ ‬يلتقون‭ ‬فيها،‭ ‬والكلمات‭ ‬التي‭ ‬تتكرَّر‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬شخصية‭ ‬المدينة‭.‬

وحفظ‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا؛‭ ‬فالأماكن‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُسجَّل‭ ‬ذاكرتها‭ ‬قد‭ ‬تختفي،‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬اسم‭ ‬يتناقله‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬أين‭ ‬التُقطت‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬اليوم،‭ ‬تُمسح‭ ‬الطاولات،‭ ‬وتُجمع‭ ‬الفناجين،‭ ‬ويغادر‭ ‬النَّاسُ‭ ‬واحدًا‭ ‬تلو‭ ‬الآخر،‭ ‬حاملين‭ ‬ما‭ ‬قالوه‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يقولوه‭. ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬الكراسي‭ ‬والواجهات،‭ ‬وقد‭ ‬تصبح‭ ‬الشاشة‭ ‬رفيقة‭ ‬كل‭ ‬جلسة،‭ ‬فيما‭ ‬يحوّل‭ ‬الطلبة‭ ‬بعض‭ ‬الطاولات‭ ‬إلى‭ ‬مكاتب‭ ‬مؤقتة،‭ ‬ويواصل‭ ‬رجل‭ ‬مسن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مقعده‭ ‬المعتاد،‭ ‬مترقبًا‭ ‬وجهًا‭ ‬يعرفه‭.‬

ربما‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬المقاهي‭ ‬وحدها،‭ ‬وربما‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬النَّاس‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نتصور؛‭ ‬لعل‭ ‬ما‭ ‬تبدل‭ ‬هو‭ ‬إيقاع‭ ‬الحياة،‭ ‬وما‭ ‬نحمله‭ ‬معنا‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬ومواعيد‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬حاجة‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬آخر،‭ ‬ويصغي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استعجال،‭ ‬حاجةً‭ ‬لا‭ ‬تبرد‭ ‬بانطفاء‭ ‬الهاتف‭.‬

وحين‭ ‬يبرد‭ ‬الفنجان‭ ‬أخيرًا،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬أثرٌ‭ ‬صغيرٌ‭ ‬على‭ ‬الطاولة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يتركه‭ ‬اللقاء‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬طويلًا‭.‬

أصبح‭ ‬المقهى‭ ‬للبعض‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬يومهم‭ ‬الدراسي‭ ‬والمهني‭ ‬لا‭ ‬محطة‭ ‬عابرة‭ ‬للقاء‭ ‬الأصدقاء‭ ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى