قضايا وأحداث

علاش ديما بروحي .. ؟!

فايزة العجيلي

‭ ‬امرأة‭ ‬ليبية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الدفء‭ ‬وسط‭ ‬زحمة‭ ‬الحياة‭ ..‬

في‭ ‬بيتٍ‭ ‬لا‭ ‬يطرق‭ ‬بابه‭ ‬أحدٌ‭ ‬إلا‭ ‬نادرًا،‭ ‬تعيش‭ ‬أمرأة‭  ‬تبدو‭ ‬حياتها‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬مستقرة‭ ‬وهادئة،‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬شعورًا‭ ‬ثقيلًا‭ ‬بالوحدة‭ ‬لا‭ ‬يفارقها‭. ‬تقول‭ ‬بحسرة‭: ‬‭)‬والله‭ ‬ما‭ ‬عنديش‭ ‬مشكلات‭ ‬مع‭ ‬حد،‭ ‬وراني‭ ‬في‭ ‬حالي‭ ‬ومحترمة،‭ ‬لكن‭ ‬ديما‭ ‬نحس‭ ‬روحي‭ ‬بروحي‭(‬‭.‬

فقدتْ‭ ‬والديها‭ ‬مبكرًا،‭ ‬فعاشتْ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬محرومة‭ ‬من‭ ‬السند‭ ‬العائلي‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬شعور‭ ‬الأمان‭ ‬والانتماء‭. ‬ومع‭ ‬الزواج‭ ‬كانتْ‭ ‬تأملُ‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬حياةً‭ ‬أكثر‭ ‬دفئًا،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬جاء‭ ‬مختلفًا‭. ‬فزوجها،‭ ‬بحسب‭ ‬روايتها،‭ ‬شخص‭ ‬غير‭ ‬اجتماعي،‭ ‬يفضل‭ ‬العزلة،‭ ‬ولا‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬العلاقات،‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬المعارف‭.‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬الجميع‭.‬

وتؤكد‭ ‬أنَّ‭ ‬مَنْ‭ ‬يعرفها‭ ‬يشهد‭ ‬لها‭ ‬بالأخلاق‭ ‬والكرم،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬غياب‭ ‬النَّاس‭ ‬عن‭ ‬حياتها‭. ‬تقول‭: ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأعياد‭ ‬مرات‭ ‬ما‭ ‬يجيش‭ ‬حد،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬تلفون‭ ‬يسأل‭ ‬علينا‭ .‬

الأكثر‭ ‬إيلامًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬ليس‭ ‬غياب‭ ‬الصديقات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬شعورها‭ ‬بأن‭ ‬أقرب‭ ‬النَّاس‭ ‬إليها‭ ‬لا‭ ‬يمنحونها‭ ‬ما‭ ‬تنتظره‭ ‬من‭ ‬اهتمام‭ ‬ومودة‭.‬

وتتحدث‭ ‬بحرقة‭ ‬عن‭ ‬شقيقتها‭ ‬التي‭ ‬تحبها‭ ‬كثيرًا،‭ ‬لكنها‭ ‬تشعر‭ ‬بأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الحب‭ ‬لا‭ ‬يُقابل‭ ‬بالمثل‭. ‬وتضيف‭: )‬مرات‭ ‬نتمنى‭ ‬بس‭ ‬كلمة‭: ‬تعالي‭ ‬افطري‭ ‬معانا،‭ ‬لكن‭ ‬ديما‭ ‬نلقى‭ ‬تهربًا‭ ‬أو‭ ‬اعتذارًا‭ (.. ‬

هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬ليستْ‭ ‬حالة‭ ‬فردية‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬معاناة‭ ‬اجتماعية‭ ‬يعيشها‭ ‬كثيرون‭ . ‬فالوحدة‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬بغياب‭ ‬النَّاس‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بغياب‭ ‬الشعور‭ ‬بالقرب‭ ‬والاحتواء‭. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬محاطًا‭ ‬بالعائلة‭ ‬والجيران‭ ‬والمعارف،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬يتساءل‭: ‬أين‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬أشعر‭ ‬فيه‭ ‬أنني‭ ‬مرغوب‭ ‬ومحبوب؟

وتختم‭ ‬المرأة‭ ‬حديثها‭ ‬بجملة‭ ‬تختصر‭ ‬وجع‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭: )‬كان‭ ‬حد‭ ‬يزورني‭ ‬أو‭ ‬يتفكرني،‭ ‬والله‭ ‬نطير‭ ‬من‭ ‬الفرحة‭. ‬لكن‭ ‬مش‭ ‬عارفة‭ ‬علاش‭ ‬النَّاس‭ ‬بعيدة‭ ‬عليّ‭ ‬لهالدرجة‭.‬

قصة‭ ‬تطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬مؤلمًا‭: ‬هل‭ ‬أصبحتْ‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬أكثر‭ ‬برودة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القلوب‭ ‬كُتبَ‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تنتظر‭ ‬طويلًا‭ ‬مَنْ‭ ‬يطرق‭ ‬بابها‭ ‬بمحبة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى