تتجلى تجربة الخطاط محمد هارون كبنيان بصري شامخ يتجاوز حدود الكتابة التقليدية ليدخل في رحاب الهندسة الروحية؛ حيث تتشكل أعماله وفق رؤية معمارية رصينة تجعل من الحرف لبنة في بناء كوني متكامل ويبدأ هذا الإبداع من الأصالة اليدوية المطلقة التي يرفض فيها «هارون» استلاب الآلة متمسكًا بروح القصبة، ونبض المحبرة فاللوحة عنده ليست نتاجًا آليًا بل هي مخاضًا طويلاً من الصبر تظهر فيه آثار السحب والدفع وضغط القلم مما يمنح الحرف حيوية بشرية دافئة تعجز البرمجيات الرقمية عن محاكاتها، أو تعليبها في قوالب صماء.
ويرتكز البناء البصري في أعماله على هندسة بناء فائقة الدقة تتجلى في التشابك الهندسي المعقد الذي يشبه تداخل الأقواس في العمارة الإسلامية العتيقة؛ حيث تلتف الحروف وتتصاعد في نسق رياضي مدروس يحقَّق أعلى درجات التوازن الكتلي فلا يطغى جانب على آخر ولا تزدحم كتلة على حساب أخرى بل تتوزع الأوزان البصرية بذكاء فطري يمنح المشاهد شعورًا بالاستقرار والسكينة ويظهر هذا الانضباط في تكوين النماذج التي تبدو كأنها مساقط معمارية لقصور خيالية؛ حيث تلتقي الخطوط المستقيمة بالانحناءات اللينة في عناق هندسي يجمع بين قوة الثلث الجلي وليونة الكوفي.ويبرز الفراغ في فلسفة «هارون» كعنصر تكويني لا يقل أهمية عن الحرف ذاته فهو يدير الفراغات البينية، أو الخلوات بحرفية عالية تجعل اللوحة تتنفس وتسمح للعين بالانتقال بسلاسة بين مفاصل النص وتكتمل هذه الهيبة البصرية من خلال التعتيق والخلفيات التي يختارها بعناية فائقة؛ حيث يمنح الورق ملمسًا تاريخيًا يوحي بالقِدم والخلود وكأنَّ اللوحة وثيقة خرجت من زمن بعيد لتستقر في الحاضر وتلعب هذه الخلفيات دور الحاضن الدافئ للحرف مما يعزز من عمق التكوين ويجعل الكتلة الخطية تبرز في فضاء ثلاثي الأبعاد.
إنَّ ما يميز تجربة «هارون» هو ذلك الارتجال المنضبط الذي يجمع بين حرية المبدع وصرامة المهندس فهو يمتلك القدرة على تطويع النص وتشكيله بمرونة عالية لكنها مرونة تخضع لقانون الميزان والنقطة مما يجعل أعماله مزيجاً عبقرياً بين العاطفة الجياشة والعقل الرياضي الرصين وبذلك تظل تجربته حصناً منيعاً للأصالة الفنية قادرة على الصمود أمام جفاف العصر الرقمي بفضل ما تكتنزه من روح بشرية وهندسة جمالية ترفض التكرار وتصنع من الحبر الأسود عمارة للنور والجمال باقية على مر العصور.


