رأي

كتبته‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬الطابور

عطيه‭ ‬عبدالعالي

طابور‭ ‬الرنين‭ ‬المغناطيسي‭… ‬مسرحية‭ ‬العبث‭ ‬الكبرى‭.. ‬مشهد‭ ‬عبثي‭ ‬بامتياز،‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬إلا‭ ‬بنا‭. ‬قف‭ ‬في‭ ‬الطابور‭ ‬وتأمل‭.. ‬ستجد‭ ‬الوطن‭ ‬كله‭ ‬واقفاً‭ ‬معك‭. ‬نساء‭ ‬طاعنات‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬ورجال‭ ‬انحنت‭ ‬ظهورهم،‭ ‬شباب‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر،‭ ‬كلهم‭ ‬اصطفوا‭ ‬بخشوع‭ ‬أمام‭ ‬إله‭ ‬جديد‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬جهاز‭ ‬الرنين‭ ‬المغناطيسي‮»‬‭. ‬جهاز‭ ‬واحد،‭ ‬يتيم،‭ ‬وحيد،‭ ‬يخدم‭ ‬رقعة‭ ‬بحجم‭ ‬دولة،‭ ‬وكأننا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬نتداوى‭ ‬بالأعشاب‭!‬

قمة‭ ‬المهزلة‭ ‬والإهانة‭ ‬والمذلة،‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬رحلة‭ ‬علاجك‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬عذاب‭ ‬ممنهجة‭.‬

‭ ‬أولاً‭: ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬الوقود‭ ‬لتصل،‭ ‬والوقود‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬النفط‭ ‬أصبح‭ ‬حلماً،‭ ‬تحتاج‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬لتحصل‭ ‬على‭ ‬وقود‭ ‬لتذهب‭ ‬وتقف‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬آخر‭! ‬ما‭ ‬أروع‭ ‬الهندسة‭ ‬الإدارية‭ ‬عندنا‭.‬

ثانياً‭: ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تصلي‭ ‬صلاة‭ ‬الاستسقاء‭ ‬للكهرباء،‭ ‬فالجهاز‭ ‬العبقري‭ ‬الحساس‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كهرباء‭ ‬منتظمة،‭ ‬والكهرباء‭ ‬عندنا‭ ‬كضمير‭ ‬المسؤول،‭ ‬تأتي‭ ‬على‭ ‬استحياء‭ ‬وتذهب‭ ‬مسرعة،‭ ‬فإذا‭ ‬انقطعت‭ ‬قالوا‭ ‬لك‭: ‬عُد‭ ‬غداً،‭ ‬وغداً‭ ‬هذا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬لمريض‭ ‬يصارع‭ ‬الورم‭.‬

ثالثاً‭: ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ ‬صبر‭ ‬أيوب،‭ ‬فأنت‭ ‬تنتظر‭ ‬جهازاً‭ ‬يشخص‭ ‬مرضك‭ ‬بنسبة‭ ‬تتجاوز‭ ‬التسعين‭ ‬بالمئة،‭ ‬جهاز‭ ‬يكشف‭ ‬لك‭ ‬هل‭ ‬ستموت‭ ‬غداً‭ ‬أم‭ ‬بعد‭ ‬غد،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬آخر‭ ‬اهتمامات‭ ‬الدولة‭.‬

نعم،‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬غالياً،‭ ‬ثمنه‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬ثمن‭ ‬طلاء‭ ‬سيارات‭ ‬موكب‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يساوي‭ ‬فاتورة‭ ‬عشاء‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬فاخر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المال‭ ‬العام،‭ ‬ولكنه‭ ‬غالٍ‭ ‬جداً‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬للمريض‭ ‬الفقير‭.‬

لقد‭ ‬أبدعتم‭ ‬حقاً‭.. ‬أبدعتم‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬أبسط‭ ‬حقوقنا‭ ‬إلى‭ ‬منّة،‭ ‬وتحويل‭ ‬أجهزتنا‭ ‬الطبية‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬نادرة‭ ‬يجب‭ ‬الحج‭ ‬إليها‭.‬

وفروا‭ ‬جهازين‭ ‬آخرين؟‭ ‬لا‭ ‬سمح‭ ‬الله،‭ ‬وكيف‭ ‬سنبرر‭ ‬سفر‭ ‬المرضى‭ ‬ومعاناتهم‭ ‬إذن؟‭ ‬كيف‭ ‬سنظهر‭ ‬بمظهر‭ ‬العاجز‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬وهو‭ ‬يملك‭ ‬المليارات؟‭ ‬استمروا،‭ ‬فطابور‭ ‬الرنين‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أصدق‭ ‬صورة‭ ‬لإنجازاتكم‭. ‬طابور‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الذل،‭ ‬منظم‭ ‬جداً،‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬كهرباء‭ ‬منتظمة،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬شعب‭ ‬صبور‭ ‬وأنتم‭ ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬صبركم‭ ‬علينا‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى