
طابور الرنين المغناطيسي… مسرحية العبث الكبرى.. مشهد عبثي بامتياز، لا يليق إلا بنا. قف في الطابور وتأمل.. ستجد الوطن كله واقفاً معك. نساء طاعنات في السن، ورجال انحنت ظهورهم، شباب في مقتبل العمر، كلهم اصطفوا بخشوع أمام إله جديد اسمه «جهاز الرنين المغناطيسي». جهاز واحد، يتيم، وحيد، يخدم رقعة بحجم دولة، وكأننا في القرن التاسع عشر نتداوى بالأعشاب!
قمة المهزلة والإهانة والمذلة، أن تتحول رحلة علاجك إلى رحلة عذاب ممنهجة.
أولاً: عليك أن توفر الوقود لتصل، والوقود في بلاد النفط أصبح حلماً، تحتاج أن تقف في طابور لتحصل على وقود لتذهب وتقف في طابور آخر! ما أروع الهندسة الإدارية عندنا.
ثانياً: عليك أن تصلي صلاة الاستسقاء للكهرباء، فالجهاز العبقري الحساس يحتاج إلى كهرباء منتظمة، والكهرباء عندنا كضمير المسؤول، تأتي على استحياء وتذهب مسرعة، فإذا انقطعت قالوا لك: عُد غداً، وغداً هذا قد لا يأتي لمريض يصارع الورم.
ثالثاً: عليك أن تملك صبر أيوب، فأنت تنتظر جهازاً يشخص مرضك بنسبة تتجاوز التسعين بالمئة، جهاز يكشف لك هل ستموت غداً أم بعد غد، ومع ذلك هو آخر اهتمامات الدولة.
نعم، هو ليس غالياً، ثمنه لا يساوي ثمن طلاء سيارات موكب واحد، ولا يساوي فاتورة عشاء واحد في فندق فاخر على حساب المال العام، ولكنه غالٍ جداً عندما يكون للمريض الفقير.
لقد أبدعتم حقاً.. أبدعتم في تحويل أبسط حقوقنا إلى منّة، وتحويل أجهزتنا الطبية إلى آثار نادرة يجب الحج إليها.
وفروا جهازين آخرين؟ لا سمح الله، وكيف سنبرر سفر المرضى ومعاناتهم إذن؟ كيف سنظهر بمظهر العاجز الذي لا حول له ولا قوة وهو يملك المليارات؟ استمروا، فطابور الرنين هذا هو أصدق صورة لإنجازاتكم. طابور طويل من الذل، منظم جداً، لا يحتاج إلى وقود ولا إلى كهرباء منتظمة، بل يحتاج فقط إلى شعب صبور وأنتم ما أكثر صبركم علينا.



