
(كيف تقتل مدينة) .. عنوان يثير الفضول لكتاب ألفه الكاتب الأمريكي «بيتر موسكوويتز»، نُشرتْ الطبعة الأولى عام 2017، وأعيد نشره في طبعة أحدث عام 2020 .. ويتناول فيه موضوع الآثار السلبية للتحسين، أو التجديد الحضري Gentrification على المناطق والأحياء المهمشة والفقيرة في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ويناقش فيه تطبيق العدالة الحضرية. وكيف أن التنمية الحضرية لا تتساوى فرصها لصالح الجميع دائمًا، بل يمكن أن تُستخدم أحيانًا لإقصاء المجموعات الفقيرة..
وينتقد «بيتر» في كتابه رأسمالية السوق والحكومات على جميع المستويات، ويربط بين منهجية التخطيط العمراني والسياسة الاقتصادية..لذلك يعتبره البعض من الكتب النقدية التي تكشف الوجه الآخر الرديء من مخططات «التجديد الحضري». ويستخدم المؤلف مصطلح «التجديد الحضري» بحرية ليشمل أي شكل من أشكال الاستثمار في المدن والضواحي التي تعود بالفائدة بالمقام الأول على الطبقة المتوسطة والغنية على حساب ذوي الدخل المحدود.
التجديد الحضري عملية تحوّل
من وجهة نظر المؤلف، التجديد الحضري، هي عملية تحوّل يتم من خلالها تغيير طابع مناطق حضرية فقيرة متهاوية تكون في الغالب قد تعرضت لأزمات، أو نكبات وكوارث؛ وحيث الأحياء السكنية التي يسكنها ذوو الدخل المحدود، والأسر الفقيرة لصالح أفراد جدد من ذوي الطبقة المتوسطة، والأثرياء، ويترتب على انتقال هذه الفئات الجديدة نتيجة تحسينات البنية التحتية، والخدمات، وإعادة تجديد المباني، ارتفاع أسعار العقارات، والإيجارات، والتي لا يقدر عليها السكان المحليون، فيضطرون لترك أحيائهم التي نشأوا وعاشوا فيها، وعليه يتغيّر وبالتدريج الطابع الثقافي والنسيج الاجتماعي لتلك الأحياء، وتفقد مع الوقت هويتها الأصلية، وتكتسب صورة جديدة وملامح عصرية تستهدف الطبقة الثرية وتستقطب الشركات الكبرى.
التحسين العمراني عملية سياسية واقتصادية مُمنهَجة ومدروسة
ويوضح المؤلف في كتابه أن هذا التجديد والتحسين العمراني للمنطقة أو المدينة لا ينحصر فقط في افتتاح مقاهٍ جديدة أو متاجر راقية، أو مساكن فاخرة وبنية تحتية وغيرها، بل تأخذ أبعاد أوسع، تؤثر على مستقبل المدن الأمريكية كمساحات نابضة بالحياة وعادلة اجتماعياً، فهي عملية سياسية واقتصادية مُمنهَجة ومدروسة، الهدف منها إعادة توجيه وظيفة المدن من مساحات تخدم الفقراء وذوي الدخل المحدود إلى مناطق تولّد رأس المال للأثرياء والمستثمرين وجذب فرص مشاريع الأعمال والشركات الكبرى.
وغالبًا ما ترتبط عملية «التجديد الحضري» بالمدن التي تدمرت، أو تفتقر للخدمات التي تجعلها مؤهلة للعيش بها، نتيجة تعرضها للضرر من الكوارث الطبيعية أو نتيجة حروب، أو إفلاس اقتصادي أو غيرها من الأسباب، فيتم تقريبًا إعادة بنائها من جديد، أو لجزء كبير منها وتحسين الخدمات ولكن لا تخلو العملية من دوافع سياسية وحكومية، تؤدى إلى تغيير هوية تلك المناطق من المدن، وحتى تركيبتها السكانية الطبقية.
أمثلة لأربع مدن
ويعرض المؤلف في كتابه أمثلة لأربع مدن أمريكية شهدت تحولات جذرية في عمرانها من خلال عملية التجديد الحضري، وقدمها كحالات دراسية تؤيد وجهة نظره، دعمها بإجراء المقابلات وتسجيله للملاحظات من واقع الظروف المحلٌية.. واستنتج أن ارتفاع التكاليف المعيشية المفروضة على شريحة الفقراء والطبقة العاملة فاقت الفوائد المرجُوّة من عملية التجديد الحضري وهي:
* مدينة نيو اورليانز: تعرضت المدينة سابقاً لإعصار «كاترينا»، والذي تسبب في أضرار للمدينة، مما أدى بالسلطات أن تستغل هذا الضرر لإعادة تخطيط وهيكلة المدينة، وتهجير السكان الأصليين، وإحلال المستثمرين الأثرياء والشركات العقارية محلهم.
* ديتريوت: عانت من خسائر سكانية وتراجع حاد في الاستثمارات، وتمّ استغلال وضع المدينة الاقتصادي وإعلان إفلاسها لبيع أراضيها ومبانيها بأسعار زهيدة للشركات الكبرى دون مراعاة لاحتياجات السكان المحليين.
* سان فرانسيسكو: تحت تأثير طفرة التطور التكنولوجي والارتفاع الكبير بأسعار الإيجارات، أدى ذلك إلى طرد العائلات المقيمة هناك منذ عقود طويلة والتي لم تعد قادرة على التكاليف العالية.
* نيويورك: وكيف تحولت منطقة حي قديم بهذه المدينة إلى منطقة حضرية للأثرياء، ولم يعد بمقدور الطبقة البسيطة العودة إليها.
ومن وجهة نظر المؤلف، هناك أربع مراحل (لقتل المدينة) وهي:
- الإهمال الحكومي المُتعمَّد: حيث تتوقف الحكومة عن تمويل البنية التحتية والخدمات بالأحياء الفقيرة سعياً لخفض قيمتها السُوقية، وانتقال أفراد من فئات معينة )من فنانين، مثقفين أو شباب ذوي طموحات واسعة، ومشاهير وغيرهم( لشراء عقارات أو لإيجارات زهيدة الثمن.
- المضاربة العقارية: بعد انخفاض القيمة السوقية لتلك المناطق تبدأ الشركات والمستثمرون وأعداد متزايدة من تلك الفئات بالتوافد وشراء العقارات بتلك المناطق ويبدأ الحي أو المنطقة في اكتساب سمعة «حي عصري».
3- الدعاية والتسويق الثقافي: والذي يؤدى إلى استقطاب وجذب فئة معينة من الشباب والمثقفين والفنانين، لتتحول المنطقة وتلك الاحياء إلى منطقة مواكبة للحداثة والتطور، وجاذبة لرؤوس الأموال بدخول الشركات الكبرى والمطوّرين العقاريين لتوفر فرص الربح أمامهم.
- التهجير النهائي: وهي المرحلة الأخيرة التي تُجبر السكان الأصليين من الفقراء وذوي الدخل المحدود وأصحاب المحلات القديمة على مغادرة مناطقهم لعجزهم أمام الأسعار العالية للضرائب والخدمات والإيجارات.
مجموعة حلول
ويقترح المؤلف في كتابه مجموعة من الحلول للتصدي والحد من التأثير المُدمِّر لخطط «التجديد الحضري» وتشمل: _* فرض رقابة صارمة على أسعار الإيجارات وحماية الإسكان العام.
* رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الضرائب على الشركات العقارية العملاقة.
* منح المجتمعات المحلٌية صوتًا حقيقيًا، وقوة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتخطيط العمراني.
ظاهرة التجديد المدن مثيرة للجدل ويلفها الغموض
ويكشف الكتاب عن القوى النظامية الهائلة وراء «التجديد الحضري» في الأربع مدن موضع الدراسة، ومن يملك السلطة في تلك المدن..وبالنسبة للمؤلف فإن ظاهرة التجديد، أو التحسين الحضري بالمدن الأمريكية مثيرة للجدل ويلفها الغموض، فهي لا تتعلق فقط بتغيير الأحياء والضواحي، بل هي صورة من عمل عنيف يراه متجذراً في القمع والاستعمار.. غالباً ما يبدأ التجديد الحضري بالبناء أو إعادة تجديد المباني القديمة، مما يؤدى إلى جذب وافدين جدد من الأثرياء ممن لهم القدرة على شراء عقارات أو دفع إيجارات مرتفعة السعر للسكن هناك، في الوقت الذي يغادر فيه السكان القدامى والحاليين وأغلبهم من ذوي الدخل المحدود، مساكنهم وأحيائهم، لعجزهم عن مواكبة التكاليف والأسعار العالية.. ومع ما ينتح عن التجديد الحضري من إيجابيات من تحسين بنية تحتية وخدمات راقية ودخول شركات متعددة وانخفاض معدل الجريمة وغيرها، تتزايد أعداد الوافدين الأثرياء ويرتفع الطلب على السكن والخدمات في المنطقة، مما يزيد من قيمة العقارات والايجارات أكثر وأكثر.. وعلى المدى الطويل يسبب ذلك في تغير طابع الحي أو المنطقة نتيجة تغير نوعية السكان..
ويتساءل المؤلف «بيتر موسكوويتز» عن أهمية أن تكون المتاجر راقية إذا كان السكان المحليين الذين عاشوا بتلك المنطقة غير قادرين على تحمل تكاليف التسوق بحيّهم؟
التجديد الحضري هو استمرار لإرث استعماري
ومن هنا فحسب المؤلف أن عملية «التجديد الحضري» لا تقتصر على تغيير طابع الحىّ وحسب، بل يتعلق أيضاً بعمليات الإخلاء الجماعي والعنف ومحو الثقافات الراسخة، ويرى المؤلف أن التجديد الحضري لا يحدث بمعزل عن غيره ولا يأتي من فراغ، بل هو متشابك مع الحقائق التاريخية الحديثة والقديمة، ويذهب بيتر في رأيه إلى افتراضه أن جوهر المدن الأمريكية الآن يدور حول الاستفادة من الموارد وخصخصتها لتحقيق الربح، ويرى أن التجديد الحضري هو استمرار لإرث استعماري وإن كان بأشكال متطوّرة ومُدمِّرة.. وعلى ضوء ذلك فهو يدعو إلى نموذج حضري مناهض بشكل صريح للرأسمالية، ويقدم رؤية لمستقبل حضري أكثر عدلاً تتطور فيه المدن بشكل عادل. والكتاب يمثل صرخة تحذيرية من مشاريع التحسين الحضري، ودعوة واضحة يوجهها المؤلف «موسكوويتز» لإنقاذ مدن الولايات المتحدة من أجل مستقبلها وانتماء سكانها لها، وجعلها مكاناً صالحاً للعيش للجميع.



