
كانتْ الذاكرة حاضرة في ديوان عرافة دلفي للكاتبة مفيدة محمد جبران حيث اشتمل الديوان على قصائد نثرية ماتعة، وموضوعات تحمل المشاعر والإحساس للمتلقي وتعيد الشاعرة تشكيل الحياة برؤيتها الواعية أعطتْ الشاعرة مساحة للذاكرة المكان والتاريخ والوطن، وذاكرة الذات ومزجت قصائدها بالصور الخيالية والرؤية الجمالية التي شكلت عالمها الجميل ونذكر منها:
عتبات العناوين
اتخذت الشاعرة مفيدة عنوان الديوان )عرافة دلفي( نسبة إلى الأساطير اليونانية كانتْ «عرافة دلفي» أشهر عرافة قديمة، وتعد أهم شخصية دينية في العالم اليوناني وهي رمزٌ للحكمة وقد تضمن الديوان قصيدة كاملة بعنوان عرافة دلفي أما العناوين الداخلية للديوان تنوعت معالمها بين الطبيعة مثل : قصيدة بحر، غناء النوارس، تغريدة الكناري، والأساطير التاريخية القديمة مثل : عرافة دلفي، طرابلس ياسادة، وأحيانًا تنحى الشاعرة إلى عناوين أخرى دالة على الشوق مثل : الحنين، أماه، وأخرى عناوين تحمل اسمها ولمسات ذاتها مثل :مفيدة، في عيدك، هذه العتبات شكلت أبعادًا روحية ونفيسة للقصائد، وكانت عناوين مترابطة مع موضوعات النصوص الشعرية..وهي عتبات مؤثرة تعيد تشكيل الذاكرة بين الحاضر والماضي.
قسمت مؤثرات الذاكرة إلى:
ذاكرة الوطن: يقول «غاستون باشلار» : حين نستدعي هذه الذكريات فإننا نضيف إلى مخزون ذكرياتنا الأحلام إننا لسنا مؤرخين حقيقين بل نحن أقرب إل الشعراء.
طرابلس يا سادة .. يا عصية الدمع
نقش اسمك بماء التبر .. الطاء طرب، والراء رضا
والألف أرض الألهة .. والله واحد
والباء بلسم الروح .. واللام ليل العشاق
نلحظ روح الوطن وعشقه عند الشاعرة فهي صورتْ طرابلس بمعالمها الجميلة، واتخذتْ حروف كلماتها نسيجًا لحكايات طرابلس فهي مدينة الحضارة، والتاريخ، وفن المالوف والموشحات.
وذاكرة الوطن من المؤثرات الجميلة في النّص الشعري عبرتْ الشاعرة عن وطنها ليبيا وما يمر به من أزمات وصراعات كانتْ صدى لنصوصها:
ليبيا – كم تجرعت الألم وصبرت – فزادك الألم صمودا وتأصيلا .
هنا تحضر الوطنية بكل صورها وذكرياتها وحروبها والبحث عن استقرارها وتظهر الشاعرة تأثيرها بالأحداث المحيطة بها.
ذاكرة الذات:
كانت الذات حاضرة في عديد القصائد وقد أخذت مسارات متنوعة للبوح تارة مثل : قصيدة الندم قالت:
كم كنتُ غبية .. كم كنتُ اعتقد – أن العالم يدور لأجلي
وتارة أخرى تبعث الذات عن التأمل مثل:
متاهات – نفق ملتوي- ومتاهات- لستُ أنا أنا
ونرى الذات تتأمل وتبوح لحظات خلوتها لله سبحانه وتعالى مثل: إلهي
أنت إلهي وأنت قرآني .. ووهج حياتي أحبك لأنك إلهي
تميز الحديث عن الذات بالذكريات مؤثرة تظهر فيها شخصية الشاعرة بين الصمت والبوح، وبين الانكسار والنهوض مرة أخرى يقول «بول ريكور»: إن الذات وهي تبحث في صميم ذاتها المتماهية تبحث في الوقت ذاته في هذه الذات عما يكملها. ص 11
مزجت الذات في الديوان باسمها مثل: قصيدة مفيدة في المجالس مادحة .. وللسائل ناصحة وفي نوائب الدهر مواسية .. وبقضاء الله راضية ظهرتْ الذات بوصف خصال مفيدة وذكر محاسنها الحميدة.
ذاكرة التاريخ:
تأخذنا ذاكرة التاريخ وهي من المؤثرات البارزة في الديوان نذكر منها عرافة دلفي تقول :
عبودية وجلاد .. وكرامة أصبحت في الحضيض
وسياط من حديد .. كوني أنت
ظهرت علامات التأثير التاريخية واستحضار الماضي بصور مختلفة من القصائد النثرية منها :
اقتربت جنية أكاكوس – سمعت صهيل خيولها -وصليل نعالها
تحيطنا ذاكرة التاريخ القديم اليوناني، والتاريخ ليبيا بذكر الأساطير وقوتهم ولحظات ضعفهم
مؤثر الطبيعة:
تمتع الديوان بنصيب كبير نحو الطبيعة منها قصيدة بحر – اتجول بين الصخور – أناجي الرب والطيور
اجلس أراقب النوارس – وارسم من السحب لوحات دافنشي .. وقصيدة غناء النوارس – تغريدة الكناري مثل:
الريم – غزال الريم- خفة وجمال – عنبر ومسك – رشاقة في العدو .
هذا التصوير الجمالي الذي يلتقط الصور الخلابة والمدهشة للطبيعة يظل تأثيره على المتلقي بإيقاعاته المؤثرة والألفاظ الرقيقة ويصبح في الذاكرة راسخًا .. هكذا اعتمدتْ هذه النصوص على الانفتاح للحياة وكانت قصائد النثرية حرة بكلماتها تشكل نوعًا من اثبات الوجود ومضات شعرية تدفقتْ بقوة الكلمات وعمق المعاني، وخرجتْ عن القصيدة التقليدية بكل صورها.



