مرايا

من أروقة المحكمة ثلاثون سنة .. هدمها هاتف

متابعة: فايزة العجيلي

حكاية‭ ‬رجل‭ ‬يقول‭:‬

‭                ‬‭ (‬قهرتني‭ ‬مرتي‭ ‬أم‭ ‬صغاري‭)‬‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬يبدو‭ ‬كواحد‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬اعتادوا‭ ‬الوقوف‭ ‬أمام‭ ‬أبواب‭ ‬المحاكم‭. ‬كان‭ ‬التعب‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬وجهه،‭ ‬والمرض‭ ‬أنهك‭ ‬ملامحه،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الرجل‭ ‬جاء‭ ‬إلى‭ ‬المكان‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬فوق‭ ‬كتفيه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قضية‭..‬يحمل‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭ ‬تتهاوى‭ ‬أمام‭ ‬عينيه‭.‬

ألقيتُ‭ ‬عليه‭ ‬التحية،‭ ‬وسألته‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭.‬

توقف‭ ‬قليلًا،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬بصوت‭ ‬مثقل‭ ‬بالحسرة‭: )‬قهرتني‭ ‬مرتي‭ ‬أم‭ ‬صغاري‭( ‬

كانت‭ ‬الجملة‭ ‬كافية‭ ‬لأفهم‭ ‬أن‭ ‬وراءها‭ ‬حكاية‭ ‬طويلة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬بعدها‭ ‬كان‭ ‬أشد‭ ‬وقعًا‭: ‬ثلاثون‭ ‬سنة‭ .. ‬كيف‭ ‬تهون؟

قال‭ ‬الرجل‭ ‬إنه‭ ‬عاش‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬وأن‭ ‬بينهما‭ ‬أبناء‭ ‬وبنات،‭ ‬بعضهم‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬المراهقة،‭ ‬وإنه‭ ‬لم‭ ‬يتخيل‭ ‬يومًا‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬حياته‭ ‬الزوجية‭ ‬إلى‭ ‬أبواب‭ ‬المحاكم‭.‬

يقول‭:‬

تزوجتها‭ ‬وهي‭ ‬صغيرة،‭ ‬وأنا‭ ‬أكبر‭ ‬منها‭ ‬بحوالي‭ ‬خمس‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬وعطيتها‭ ‬عمري‭ ‬وتعب‭ ‬السنين،‭ ‬وما‭ ‬خليتُ‭ ‬عليها‭ ‬حاجة‭..‬وكنتُ‭ ‬نتصور‭ ‬أن‭ ‬عشرة‭ ‬العمر‭ ‬ما‭ ‬تهونش‭.‬

لكن،‭ ‬بحسب‭ ‬روايته،‭ ‬بدأتْ‭ ‬الصدمة‭ ‬عندما‭ ‬اكتشف‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بعلاقة‭ ‬عاطفية‭ ‬لزوجته‭ ‬مع‭ ‬رجل‭ ‬آخر،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أنه‭ ‬عثر‭ ‬على‭ ‬رسائل‭ ‬وصور‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬قدمها‭ ‬إلى‭ ‬القاضي‭ ‬ضمن‭ ‬ملف‭ ‬القضية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الرجل‭ ‬يتحدث‭ ‬بغضب‭ ‬فقط‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬بصدمة‭.‬

رجل‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يستوعب‭ ‬بعد‭ ‬كيف‭ ‬تبدلت‭ ‬حياته‭ ‬بهذه‭ ‬السرعة‭.‬

‭)‬إلى‭ ‬توا‭ ‬مش‭ ‬مستوعب‭ ‬الحقيقة‭..‬معقولة‭ ‬عشرة‭ ‬عمر‭ ‬طويلة‭ ‬أنا‭ ‬وياها‭ ‬عالحلوة‭ ‬والمرة،‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬وتنتهي‭ ‬هكي؟‭(‬

ثم‭ ‬أطلق‭ ‬تنهيدة‭ ‬طويلة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقول‭:‬

‭)‬الله‭ ‬يلعن‭ ‬التلفون‭..‬شفت‭ ‬العجب،‭ ‬شفت‭ ‬حاجات‭ ‬مش‭ ‬قادر‭ ‬حتى‭ ‬نقولها‭(.‬

الهاتف‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬الاتهام

في‭ ‬روايته،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهاتف‭ ‬مجرد‭ ‬جهاز‭ ‬في‭ ‬البيت،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كما‭ ‬يراه‮ ‬‭ ‬بداية‭ ‬انهيار‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭.‬

يقول‭ ‬الرجل‭ ‬إن‭ ‬سهولة‭ ‬التواصل،‭ ‬والوجود‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬الإنترنت،‭ ‬والخروج‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬مختلفة،‭ ‬كلها‭ ‬أمور‭ ‬أصبحت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬مصدر‭ ‬شك‭ ‬وقلق،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬اكتشفه‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬وصور،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭.‬

لكنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يؤلمه‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬زوجته؛‭ ‬كان‭ ‬يخشى‭ ‬على‭ ‬أبنائه‭.‬

‭)‬أنا‭ ‬عندي‭ ‬بنات‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬المراهقة‭.. ‬خوفي‭ ‬كله‭ ‬عليهم‭. ‬كيف‭ ‬بنخلي‭ ‬صغاري؟‭ ‬وكيف‭ ‬بنضمن‭ ‬تربيتهم؟‭(.‬

ويضيف‭ ‬إنه‭ ‬طلب‭ ‬الطلاق،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تفصل‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬رعاية‭ ‬أبنائه،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬تركهم‭ ‬وحدهم‭ ‬مع‭ ‬والدتهم‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬المناسب‭.‬

‭(‬سيبت‭ ‬خدمتي‭ .. ‬وصحتي‭ ‬ضاعت‭)‬

لم‭ ‬تتوقف‭ ‬آثار‭ ‬الأزمة‭ ‬عند‭ ‬جدران‭ ‬البيت

يقول‭ ‬الرجل‭:‬‭ ‬إن‭ ‬حياته‭ ‬انقلبتْ‭ ‬رأسًا‭ ‬على‭ ‬عقب،‭ ‬وإن‭ ‬الصدمة‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬عمله‭ ‬وصحته،‭ ‬وحياته‭ ‬اليومية‭.‬

سيبتُ‭ ‬خدمتي،‭ ‬أهملتُ‭ ‬صحتي‭ ‬وما‭ ‬عادش‭ ‬نعرف‭ ‬روحي‭..‬حياتي‭ ‬كلها‭ ‬تغيرت‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬مستورين‭ ‬ومستقرين‭.‬

وبينما‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬ما‭ ‬ستقرره‭ ‬المحكمة‭ ‬بدأ‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬دعوى‭ ‬طلاق،‭ ‬بل‭ ‬معركة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬قضى‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬بنائها‭.‬

رسالة‭ ‬من‭ ‬رجل‭ ‬مكسور

قبل‭ ‬أن‭ ‬يغادر،‭ ‬عاد‭ ‬الرجل‭ ‬إلى‭ ‬الهاتف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬وكأنه‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يحمّله‭ ‬مسؤولية‭ ‬ما‭ ‬حدث‭.‬

ثم‭ ‬قال‭:‬

‭) ‬نبي‭ ‬نقول‭ ‬لكل‭ ‬راجل‭.. ‬راهو‭ ‬التلفون‭ ‬والطلوع‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬والغلط،‭ ‬لو‭ ‬ما‭ ‬فيش‭ ‬حدود،‭ ‬يقدروا‭ ‬يهدموا‭ ‬حوش‮ ‬‭ ‬كاملة‭(. ‬

ثم‭ ‬سكت‭ ‬لحظة‭ ‬وأضاف‭:‬

‭)‬أنا‭ ‬رجل‭ ‬حطمتني‭ ‬مرا‭.. ‬عطيتها‭ ‬عمري‭ ‬وتعبي،‭ ‬وما‭ ‬قصرتش‭ ‬معاها‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬لقيت‭ ‬روحي‭ ‬واقف‭ ‬قدام‭ ‬المحكمة‭(. ‬

غادر‭ ‬الرجل‭ ‬المكان‭ ‬وبقيت‭ ‬حكايته‭ ‬معلقة‭ ‬بين‭ ‬أبواب‭ ‬المحكمة‭ ‬وذاكرة‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬العشرة‭.‬

أما‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكاملة‭ ‬فتبقى‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬الرسائل‭ ‬ولا‭ ‬الصور‭ ‬وحدها‭ ‬لصناعة‭ ‬الحكم‭ ‬ولا‭ ‬تكفي‭ ‬مرارة‭ ‬رجل‭ ‬مكسور‭ ‬لإدانة‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬المحكمة‭ ‬كلمتها‭.‬

لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬بيتًا‭ ‬عاش‭ ‬ثلاثة‭ ‬عقود‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أحيانًا‭ ‬أمام‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬تغيّر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭..‬

وعندما‭ ‬يدخل‭ ‬الهاتف‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الهاتف‭ ‬نفسه‭..‬بل‭ ‬في‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬معه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى