مرايا

من «الفزعة» إلى ثقافة العطاء 

د . فرج عبد الكريم مجاهد

لم‭ ‬يعد‭ ‬العملُ‭ ‬الخيري‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيدٍ‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬‮«‬الفزعة‮»‬‭ ‬بقدر‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬تطوع‭ ‬مؤسسية‭ ‬تجعل‭ ‬العطاء‭ ‬ممارسة‭ ‬مستمرة،‭ ‬لا‭ ‬استجابة‭ ‬مؤقتة‭ ‬للكوارث‭. ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬فيضان،‭ ‬أو‭ ‬حرب،‭ ‬أو‭ ‬أزمة،‭ ‬تتسابق‭ ‬المبادرات‭ ‬الشعبية‭ ‬لجمع‭ ‬التبرعات‭ ‬وإغاثة‭ ‬المتضرَّرين،‭ ‬ثم‭ ‬تخفت‭ ‬تلك‭ ‬الجهود‭ ‬تدريجيًا‭ ‬مع‭ ‬انحسار‭ ‬الحدث،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الخير‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الكارثة‭.‬

هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تكشف‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬العمل‭ ‬التطوعي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضرًا‭ ‬قبل‭ ‬الأزمة،‭ ‬لا‭ ‬بعدها‭ ‬فقط‭. ‬فالمجتمع‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جمعيات‭ ‬فاعلة‭ ‬ترعى‭ ‬الأسر‭ ‬المحتاجة،‭ ‬وبرامج‭ ‬مستدامة‭ ‬لدعم‭ ‬المرضى‭ ‬وكبار‭ ‬السن،‭ ‬ومبادرات‭ ‬لتأهيل‭ ‬الشباب‭ ‬وخدمة‭ ‬البيئة‭ ‬والتعليم،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بحملات‭ ‬موسمية‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬المناسبة‭.‬

وتتداخل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عوامل‭ ‬عدة،‭ ‬بينها‭ ‬ضعف‭ ‬التشريعات‭ ‬المحفزة،‭ ‬وتعقيد‭ ‬إجراءات‭ ‬تأسيس‭ ‬الجمعيات،‭ ‬ونقص‭ ‬التمويل‭ ‬المستدام،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬الكافي‭ ‬بقيمة‭ ‬التطوع‭ ‬ودوره‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬‮«‬فزعة‮»‬‭ ‬الأزمات‭ ‬قد‭ ‬تخلق‭ ‬تفاوتًا‭ ‬في‭ ‬الدعم،‭ ‬فتصل‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬يحضر‭ ‬صوتها‭ ‬إعلاميًا،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬احتياجات‭ ‬أخرى‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يمتلك‭ ‬الشبابُ‭ ‬الليبي‭ ‬طاقات‭ ‬كبيرة‭ ‬للعطاء،‭ ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬ومنصات‭ ‬تحتضنها‭ ‬وتدربها‭ ‬وتنظم‭ ‬جهودها‭.‬

إنّ‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬التطوع‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬والجامعة،‭ ‬ويتطلب‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬تسهيل‭ ‬عمل‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬ومن‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬دعم‭ ‬المبادرات،‭ ‬ومن‭ ‬الإعلام‭ ‬إبراز‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭.‬

فالوطن‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬بالفزعة‭ ‬وحدها؛‭ ‬بل‭ ‬بعطاءٍ‭ ‬يومي‭ ‬منظم،‭ ‬يطفئ‭ ‬جذور‭ ‬الأزمات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬حرائق‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى