
بين مؤسسةٍ مطالبة برفع كفاءتها، ومستهلكٍ يبحث عن خدمة تليق بما يدفعه، ورقابةٍ يفترض أن تكون عينًا لا تنام، تتشكل واحدة من أكثر معادلات السوق الليبي تعقيدًا: مَنِ المسؤول عن اهتزاز ثقة المستهلك؟. هل تبدأ الحكاية من المؤسسة التي لا تلتزم بالجودة؟. أم من رقابةٍ لا تملك أدوات الردع الكافية؟. أم من مستهلكٍ يواصل التعامل مع منتجات وخدمات لا تلبي احتياجاته؟ وهل يمكن أصلًا بناء ثقة حقيقية بالإعلانات والشعارات، بينما التجربة اليومية للمواطن تقول شيئًا آخر؟.
تلك الأسئلة لم تعد ترفًا مهنيًا أو نقاشًا نظريًا، بل أصبحتْ مرتبطة مباشرة بحقوق المواطن وجودة ما يحصل عليه من سلع وخدمات، وبقدرة المؤسسات الليبية على الانتقال من إدارة الواقع إلى صناعة الأداء والتميز. ومن هذه الإشكالية انطلقت أسئلة هذا الاستطلاع الذي أُجري على هامش المنتدى الليبي للتميز 2026، تحت شعار: )مؤسسات أكثر كفاءة ومستهلك أكثر ثقة(، بحثًا عن إجابة لا تكتفي بتحديد المسؤول، وإنما تحاول تفكيك العلاقة بين الجودة، والكفاءة، والرقابة وثقة المستهلك.
كان لقاؤنا الأول مع وزير السياحة أ.نصر الدين ميلاد الفزاني، الذي رفض اختزال المسؤولية في طرف واحد، معتبرًا أن فقدان الثقة نتيجة خلل في منظومة متكاملة تضم المؤسسة والجهات الرقابية والمستهلك.
الثقة .. لا تُبنى بالشعارات
يرى الفزاني أن المؤسسة تتحمل المسؤولية الأساسية عن جودة المنتج أو الخدمة، وأن الثقة تبدأ من مدى التزامها بالمواصفات والوعود التي تقدمها للمستهلك، وتمتد إلى النقل والتخزين والتوزيع؛ فقد يخرج المنتج من المؤسسة بحالة جيدة، ثم يفقد جودته بسبب خلل في إحدى هذه المراحل.
ويؤكد أن الرقابة الفاعلة والمحاسبة عنصران أساسيان لتحسين الأداء وحماية حقوق المستهلك، في الوقت الذي يتحمل فيه المستهلك جانبًا من المسؤولية من خلال سلوكه في الاستخدام والتخزين والاستهلاك.
وعن الأولوية بين رفع كفاءة المؤسسة وبناء ثقة المستهلك، جاءت إجابته واضحة: الأولوية لتحسين الأداء ورفع الجودة، لأن الثقة الحقيقية لا تصنعها الحملات الإعلانية، وإنما التجربة الفعلية للمستهلك.
المؤسسة تتحمل الجزء الأكبر
من جانبه، يرى د.وائل الصغير، رئيس مجلس إدارة منظمة رقيب، أن رفع كفاءة المؤسسة وحماية المستهلك مساران يجب أن يتحركا في الوقت نفسه. فالجودة تبدأ من داخل المؤسسة، من الإجراءات والأنظمة وبرامج الجودة، ثم تنعكس على رضا المستهلك وثقته.
ويؤكد أن بناء الثقة يحتاج إلى ممارسات مستدامة، تبدأ بالاستماع إلى شكاوى المستهلكين، واحترام حقوقهم، وفتح قنوات للحوار معهم، والأهم الالتزام بالوعود والتعهدات التي تقدمها المؤسسة.
ويضع الصغير المسؤولية الأكبر عن فقدان الثقة على عاتق المؤسسة، وخاصة إداراتها العليا، عندما لا تضع حقوق المستهلك واحتياجاته في مقدمة أولوياتها. لكنه في المقابل لا يعفي المستهلك من المسؤولية؛ فاستمراره في شراء المنتجات الرديئة قد يشجع المؤسسة على الاستمرار، بينما يمكن لمقاطعتها أن تتحوَّل إلى قوة ضغط اقتصادية تدفعها إلى تحسين أدائها.
ويرى أن مواجهة الإعلانات المضللة تحتاج إلى مستهلك واعٍ قادر على التمييز، وإلى برامج توعوية مستمرة، عبر شراكة بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمستهلكين.
الجودة تسبق المستهلك
أما د.نوري علي القطاطي، وكيل وزارة الاقتصاد والتجارة لشؤون المناطق الحرة، فيرى أن الجودة تسبق المستهلك، باعتبار أن المستهلك يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الإمداد والإنتاج.
ويؤكد أن الجودة تبدأ من المصدر، مرورًا بالمصنع، أو الشركة، ومراحل الإنتاج والتخزين والتوزيع، وصولًا إلى المستهلك، مع ضرورة وجود رقابة قادرة على التأكد من الالتزام بالمواصفات والمعايير.
ويرى القطاطي أن بناء الثقة لا يرتبط بالجودة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى مستهلك رشيد.
مشيرًا إلى أن التركيز على السعر وحده يمثل مشكلة، فالمنتج الأرخص ليس بالضرورة الأقل تكلفة على المدى البعيد، خصوصًا إذا ترتب على انخفاض جودته ضرر أو خسارة.
ويشدد على أهمية وجود مختبرات وكفاءات قادرة على فحص المنتجات، وضمان حق المستهلك في معرفة ما يشتريه، من خلال وضوح المكونات وتاريخ الصلاحية وطريقة الاستخدام وغيرها من المعلومات الضرورية لاتخاذ قرار سليم.
الرقابة هي الحلقة الأضعف
ويرى د. مصطفى الأرقـط، مدير معهد التخطيط، أن البداية يجب أن تكون من رفع كفاءة المؤسسات والوحدات الإنتاجية، لأن ثقة المستهلك تأتي نتيجة طبيعية لتحسين الأداء.
لكن عند تحديد المسؤول عن فقدان الثقة، يضع الأرقـط ضعف الرقابة في مقدمة الأسباب، موضحًا أن المؤسسة إذا لم تجد جهة رقابية تلزمها بالمعايير، فقد لا تجد ما يدفعها إلى الالتزام بالجودة بالشكل المطلوب.
ويؤكد أن الجودة ليست رفاهية، وإنما معايير صارمة يجب أن تكون شرطًا أساسيًا لاستمرار المؤسسة في العمل، مع أهمية وجود علامات واضحة تدل على مطابقة المنتجات للمواصفات، ووسائل سهلة للمستهلك لتقديم الشكاوى والمطالبة بحقه.
كما يلفت إلى أن المواصفات والمعايير موجودة، لكن المشكلة تكمن في ضعف تعريف المستهلك بها وتمكينه من معرفة حقوقه وما يجب أن يتوافر في المنتج أو الخدمة.
وجهان لعملة واحدة
أما د. سلمى الطيب، مستشارة بمعهد التخطيط وعضو هيئة تدريس بكلية الاقتصاد، فتتعامل مع العلاقة بين الكفاءة والثقة بوصفها علاقة تكاملية؛ فالمؤسسة لا تستطيع تحقيق تميز حقيقي من دون ثقة المستهلك، والمستهلك لا يستطيع منح ثقته لمؤسسة لا تقدم خدمة ذات جودة.
وفي القطاع المالي تحديدًا، ترى أن الأمان والربحية والسيولة من مرتكزات نجاح المؤسسات، بينما يبحث المستهلك قبل كل شيء عن الأمان والثقة. وتؤكد أن الثقة لا تُبنى على شهرة المؤسسة أو حجم الإنفاق الإعلاني، وإنما على التجربة الفعلية للمستهلك، فالخدمة الجيدة والشفافية والوضوح هي التي تصنع العلاقة المستدامة.وتضع الطيب المسؤولية أولًا على المؤسسات والجهات الرقابية، معتبرة أن ضعف الرقابة يفتح الباب أمام تراجع الشفافية والمساءلة، بينما تتحمل المؤسسة مسؤوليتها من خلال جودة خدماتها ووضوح تعاملاتها واحترام حقوق المستهلك. كما تشير إلى أهمية التحول الرقمي في تعزيز الرقابة والشفافية وجعل العمليات أكثر قابلية للمتابعة والتدقيق.
أربعة أصوات وسؤال واحد
تكشف الإجابات المتباينة أن السؤال الذي بدا بسيطًا: «من المسؤول عن فقدان ثقة المستهلك؟»، لا يملك إجابة أحادية.
فالوزير يراها مسؤولية منظومة متكاملة، ومنظمة «رقيب» تضع المؤسسة في مقدمة المسؤولين مع تحميل المستهلك جزءًا من الدور، بينما يرى وكيل وزارة الاقتصاد أن الجودة يجب أن تسبق المستهلك وأن الرقابة والمستهلك شريكان في المسؤولية، في حين يضع مدير معهد التخطيط ضعف الرقابة في مقدمة أسباب فقدان الثقة، أما خبيرة الاقتصاد فترى أن المسؤولية الأساسية تقع على المؤسسة والجهات الرقابية.
ورغم اختلاف زوايا النظر، تلتقي الآراء عند حقيقة واحدة: لا يمكن بناء ثقة مستدامة من دون جودة، ولا يمكن ضمان الجودة من دون رقابة، ولا يمكن حماية المستهلك من دون وعي.
مَنْ يدفع ثمن غياب الثقة؟
في النهاية، لا يدفع ثمن ضعف الجودة والرقابة المؤسسة وحدها، ولا المستهلك وحده، بل يدفعه السوق بأكمله. فحين تتراجع الجودة، يخسر المستهلك ماله وحقه، وتخسر المؤسسة سمعتها وقدرتها على المنافسة، ويخسر السوق قدرته على جذب الثقة، بينما تتحمل الدولة كلفة معالجة نتائج الخلل بدلًا من منعه. ولذلك، فإن شعار )مؤسسات أكثر كفاءة، ومستهلك أكثر ثقة( لا ينبغي أن يبقى عنوانًا لمنتدى، أو شعارًا لفعالية، بل يجب أن يتحوَّل إلى اختبار حقيقي للأداء. فالطريق إلى ثقة المستهلك لا يبدأ من الإعلان، ولا من كثرة الوعود، ولا من الشعارات؛ بل من مؤسسة تعرف مسؤوليتها، ورقابة تؤدي دورها، ومستهلك يعرف حقوقه، وقانون يُطبق على الجميع.



