تواجه المجتمعات الحديثة تحديات جسيمة في سبيل تحقيق التنمية المستدامة وتقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها بكفاءة، ولا يمكن لأي بلد أن ينهض خطوة واحدة للأمام في ظل العشوائية وغياب البيانات الدقيقة. إن الحاجة إلى نظام وهيكلية الدولة الليبية ومؤسساتها لم تعد مجرد خيار سياسي أو ترف إداري، بل هي ضرورة ملحة لطوق النجاة وبناء وطن حقيقي. ويبدأ هذا التنظيم بالضرورة من خطوة أولى أساسية وقاعدة بيانات وطنية صلبة لا بديل عنها، تتمثل في تنظيم تعداد عام وشامل للسكان يعكس الواقع الفعلي على الأرض.
إن القيمة الحقيقية للتعداد السكاني لا تقتصر على معرفة الأعداد الإجمالية فقط، بل تكمن في اقترانها بخطوة حاسمة وصارمة وهي تحديد «الإقامة الفعلية» لكل مواطن ومقيم. فالتخطيط السليم لمشاريع الصحة، التعليم، والبُنية التحتية يستلزم معرفة أين يتركز السُكان وليس فقط أين وُلدوا أو سُجلوا في مسقط الرأس (القُرمة). غياب هذا التحديد الدقيق والواقعي يجعل توزيع الخدمات والخطط التنموية مجرد ضرب من العبث، مما يؤدي إلى ضغط الكثافات السكانية غير المُسجلة على مناطق معينة واستنزاف مرافقها، في مقابل حرمان مناطق أخرى من حقوقها التنموية المشروعة.
ختاماً، إن الخروج من نفق الفوضى والعشوائية نحو دولة المؤسسات – التي نتطلع اليها – يتطلب إرادة حقيقية لتبني الحلول الجِذرية. إن إحصاء الناس وتحديد أماكن إقامتهم الفعلية هو حجر الأساس الأصيل الذي تُبنى عليه السياسات الاقتصادية والاجتماعية الناجحة. وبدون هذه البيانات الموثوقة، ستبقى كل جهود الإصلاح عاجزة عن تحقيق أهدافها، وسيبقى تنظيم الدولة مشروعاً مؤجلاً حتى إشعار آخر؛ فالأرقام الدقيقة هي البوصلة الوحيدة التي تضمن توجيه موارد الدولة نحو مستحقيها وبناء مستقبل مستقر للأجيال القادمة.
