رأي

حلم الحريك المر

فائزة صالح

تقولُ‭ ‬أُمٌّ‭ ‬ليبية،‭ ‬بصوتٍ‭ ‬يخنقه‭ ‬البكاء‭:‬

‮«‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬ــ‭ ‬يوم‭ ‬أن‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬ابني‭ ‬مساعدته‭ ‬للهجرة‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬ــ‭ ‬انقطع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬دفعتُ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أل‭ ‬ف‭ ‬دولار،‭ ‬ظنًا‭ ‬مني‭ ‬أنني‭ ‬أفتح‭ ‬له‭ ‬باب‭ ‬نجاة،‭ ‬فإذا‭ ‬بهم‭ ‬يفتحون‭ ‬له‭ ‬باب‭ ‬ضياع‭. ‬أخذوا‭ ‬المال‭ ‬منه،‭ ‬وقالوا‭ ‬له‭: ‬اذهب‭ ‬الآن‭ ‬وحدك‮…‬‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬عنه‭ ‬شيئًا‭. ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬وصل،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬وصل‭ ‬أصلًا‭.‬

قال‭ ‬لي‭: ‬أمي‭ ‬ساعديني،‭ ‬ولم‭ ‬يخطر‭ ‬ببالي‭ ‬أن‭ ‬المساعدة‭ ‬ستقوده‭ ‬إلى‭ ‬المجهول‭. ‬هو‭ ‬اختار‭ ‬الهجرة،‭ ‬وأنا‭ ‬اخترت‭ ‬الانتظار‭. ‬والآن‮…‬‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أستنى‭ ‬يوم‭ ‬يتصل‭ ‬ليطمئنني،‭ ‬لأعرف‭ ‬فقط‭: ‬هل‭ ‬ولدي‭ ‬حيٌّ‭ ‬أم‭ ‬ميت؟‮»‬

بهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬الموجعة‭ ‬تبدأ‭ ‬حكايات‭ ‬‮«‬الحريك‮»‬،‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُروى‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تسكن‭ ‬غرف‭ ‬الأمهات‭ ‬الساهرات،‭ ‬وتتردد‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الآباء‭ ‬الذين‭ ‬صاروا‭ ‬يعدّون‭ ‬الأيام‭ ‬بالأمل،‭ ‬لا‭ ‬بالتقويم‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬الهجرة‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬حدثًا‭ ‬فرديًا،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬نزيفٍ‭ ‬اجتماعي‭ ‬يلامس‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬ليبي‭. ‬فالأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ممرٍّ‭ ‬مائي،‭ ‬بل‭ ‬مرآةً‭ ‬تعكس‭ ‬فجوة‭ ‬الفرص،‭ ‬وارتفاع‭ ‬سقف‭ ‬الإحباط،‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬بالمستقبل‭ ‬المحلي‭.‬

وعندما‭ ‬يختار‭ ‬الشاب‭ ‬ركوب‭ ‬الموج،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬لا‭ ‬يختار‭ ‬الرحيل،‭ ‬بل‭ ‬يختار‭ ‬النجاة‮…‬‭ ‬من‭ ‬واقعٍ‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬احتماله‭.‬

لكن‭ ‬أيَّ‭ ‬نجاة‭ ‬هذه‭ ‬حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬الطريق‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬فخ؟

شبكات‭ ‬التهريب‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬وجع‭ ‬الشباب،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عصابات‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬اقتصادًا‭ ‬موازيًا‭ ‬يقتات‭ ‬على‭ ‬هشاشتهم،‭ ‬ويتغذّى‭ ‬على‭ ‬دموع‭ ‬عائلاتهم‭.‬

تُقبض‭ ‬فيه‭ ‬الدولارات،‭ ‬وتُسلَّم‭ ‬معه‭ ‬الأرواح‭ ‬للمجهول،

وكأن‭ ‬الإنسان‭ ‬صار‭ ‬شحنةً‭ ‬في‭ ‬سفينةٍ‭ ‬من‭ ‬ورق،

لا‭ ‬ضمان‭ ‬لوصولها،

ولا‭ ‬ضمان‭ ‬لنجاة‭ ‬ركّابها‭.‬

اليوم،‭ ‬يقف‭ ‬المجتمع‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأجيل‭:‬

كيف‭ ‬نُنقذ‭ ‬أبناءنا‮…‬‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحاولوا‭ ‬إنقاذ‭ ‬أنفسهم‭ ‬بالبحر؟

كيف‭ ‬نصنع‭ ‬لهم‭ ‬ضفة‭ ‬أمانٍ‭ ‬على‭ ‬أرضهم،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبتلعهم‭ ‬الملح‭ ‬والموج؟

فالبحر‭ ‬حين‭ ‬يبتلع،‭ ‬لا‭ ‬يبتلع‭ ‬الشباب‭ ‬وحدهم،

بل‭ ‬يبتلع‭ ‬معهم‭:‬

طمأنينة‭ ‬البيوت،

استمرارية‭ ‬الأجيال،

ومعنى‭ ‬الانتماء‭.‬

لقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬أن‭ ‬تتحوّل‭ ‬صيحات‭ ‬الأمهات‭ ‬من‭ ‬أرصفة‭ ‬الانتظار‭ ‬إلى‭ ‬منصّات‭ ‬فعل،

وأن‭ ‬يتحوّل‭ ‬البكاء‭ ‬إلى‭ ‬جرس‭ ‬إنذارٍ‭ ‬لا‭ ‬يغفل،

يدقّ‭ ‬في‭ ‬ضمير‭ ‬وطنٍ‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بشبابه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قدرُهم‭ ‬زورقًا‭ ‬تائهًا‭ ‬بلا‭ ‬عنوان‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى