
منذ سنواتٍ ونحن نسمع ضجيجًا حول «التحوَّل الرقمي» في مؤسساتنا العامة، وخططًا تُعرض في المؤتمرات عن عصرنة القطاع الصحي. لكن، ومن. خلال جولة ميدانية قمتُ بها قبل يومين في ثلاثة مستوصفات بالعاصمة طرابلس لمتابعة تطعيمات ابني «أوسم»، اكتشفتُ أننا لا نزال نعيش في عصر «الحبر، والورق»، وأن المنظومة الإلكترونية التي صرفتْ عليها الدولة ميزانيات طائلة ليستْ سوى «ديكور» معطل..لقد فوجئتُ بأن تسجيل بيانات الأطفال في هذه المرافق الحيوية لا يزال يدويًا بالكامل. وعند استقصاء السبَّب من الموظفين، كانتْ الصدمة أكبر؛ فالإدخال الإلكتروني متوقف منذ شهر أكتوبر 2025 لسبب يبدو مضحكًا، ومبكيًا في آنٍ واحد: «لا يوجد إنترنت، ولم يتم تخصيص ميزانية لتزويد المستوصفات به..!». . إنَّ توقف المنظومة ليس مجرد عائق إداري بسيط، بل هو ثقبٌ أسود يبتلع دقة البيانات الصحية في البلاد. فكيف لوزارة الصحة، والمركز الوطني لمكافحة الأمراض أن يبنيا استراتيجية وطنية للتطعيمات بناءً على «سجلات يدوية» مبعثرة..؟!.
هذا الخلَّل يعني ببساطة غياب الإحصاء الدقيق، فلا أحد يملك رقماً فعلياً لعدد الأطفال الذين تلقوا التطعيم، ولا أولئك الذين تسربوا منه..كما يعني ذلك هدر الميزانيات، عندما تُبنى ميزانية شراء التطعيمات على أرقام غير دقيقة، فنحن أمام احتمالين: إما نقص حاد يهدد حياة الأطفال، أو هدر مالي بشراء كميات تزيد عن الحاجة الفعلية وتتعرض للتلف..ماذا تفعل الجهات المسؤولة في حال فُقد السجل الورقي؟، يجد المواطن نفسه في دوامة لاستعادة تاريخ طفله الصحي، بينما كان من المفترض أن تكون كل هذه البيانات متاحة بضغطة زر عبر الرقم الوطني..من غير المقبول في عام 2026 أن تقف «فاتورة إنترنت» عائقًا أمام أمن صحي قومي. إن دور المركز الوطني لمكافحة الأمراض لا ينطلق من استيراد الشحنات فحسب، بل من ضمان وصولها وتوثيقها بدقة تضمن استمرارية التحصين للمجتمع..إننا اليوم لا نطالب بـ«رفاهية» تقنية، بل بضرورة قصوى. فبيانات ابني «أوسم» وآلاف الأطفال غيره هي «الأصول» التي يجب أن تُحفظ في قواعد بيانات محمية، لا في دفاتر قد تمزقها الرطوبة، أو يمحوها الزمن.
الرسالة واضحة للمسؤولين، الرقمنة ليستْ ترفًا، وصحة أطفالنا لا تنتظر ميزانيات تشغيلية متعثرة. أعيدوا الحياة للمنظومة قبل أن نفقد السيطرة على خارطة أمنَّنا الصحي.



