أخبارصحة

تطعيمات‭ ‬أطفالنا‭ ..‬ ‬حيـن‭ ‬تسقط‭ ‬‮«‬الرقمنة‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬عجز‭ ‬‮«‬الإنترنت‮»‬

رضا‭ ‬فحيل‭ ‬البوم

منذ‭ ‬سنواتٍ‭ ‬ونحن‭ ‬نسمع‭ ‬ضجيجًا‭ ‬حول‭ ‬‮«‬التحوَّل‭ ‬الرقمي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬العامة،‭ ‬وخططًا‭ ‬تُعرض‭ ‬في‭ ‬المؤتمرات‭ ‬عن‭ ‬عصرنة‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭. ‬لكن،‭ ‬ومن‭.‬‭ ‬خلال‭ ‬جولة‭ ‬ميدانية‭ ‬قمتُ‭ ‬بها‭ ‬قبل‭ ‬يومين‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستوصفات‭ ‬بالعاصمة‭ ‬طرابلس‭ ‬لمتابعة‭ ‬تطعيمات‭ ‬ابني‭ ‬‮«‬أوسم‮»‬،‭ ‬اكتشفتُ‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬الحبر،‭ ‬والورق‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬المنظومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬التي‭ ‬صرفتْ‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭ ‬ميزانيات‭ ‬طائلة‭ ‬ليستْ‭ ‬سوى‭ ‬‮«‬ديكور‮»‬‭ ‬معطل‭..‬لقد‭ ‬فوجئتُ‭ ‬بأن‭ ‬تسجيل‭ ‬بيانات‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرافق‭ ‬الحيوية‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يدويًا‭ ‬بالكامل‭. ‬وعند‭ ‬استقصاء‭ ‬السبَّب‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬كانتْ‭ ‬الصدمة‭ ‬أكبر؛‭ ‬فالإدخال‭ ‬الإلكتروني‭ ‬متوقف‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025‭ ‬لسبب‭ ‬يبدو‭ ‬مضحكًا،‭ ‬ومبكيًا‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭: ‬‮«‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬إنترنت،‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬تخصيص‭ ‬ميزانية‭ ‬لتزويد‭ ‬المستوصفات‭ ‬به‭..!‬‮»‬‭. . ‬إنَّ‭ ‬توقف‭ ‬المنظومة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عائق‭ ‬إداري‭ ‬بسيط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ثقبٌ‭ ‬أسود‭ ‬يبتلع‭ ‬دقة‭ ‬البيانات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬فكيف‭ ‬لوزارة‭ ‬الصحة،‭ ‬والمركز‭ ‬الوطني‭ ‬لمكافحة‭ ‬الأمراض‭ ‬أن‭ ‬يبنيا‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬للتطعيمات‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬‮«‬سجلات‭ ‬يدوية‮»‬‭ ‬مبعثرة‭..‬؟‭!.‬

هذا‭ ‬الخلَّل‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬غياب‭ ‬الإحصاء‭ ‬الدقيق،‭  ‬فلا‭ ‬أحد‭ ‬يملك‭ ‬رقماً‭ ‬فعلياً‭ ‬لعدد‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬تلقوا‭ ‬التطعيم،‭ ‬ولا‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬تسربوا‭ ‬منه‭..‬كما‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬هدر‭ ‬الميزانيات،‭ ‬عندما‭ ‬تُبنى‭ ‬ميزانية‭ ‬شراء‭ ‬التطعيمات‭ ‬على‭ ‬أرقام‭ ‬غير‭ ‬دقيقة،‭ ‬فنحن‭ ‬أمام‭ ‬احتمالين‭: ‬إما‭ ‬نقص‭ ‬حاد‭ ‬يهدد‭ ‬حياة‭ ‬الأطفال،‭ ‬أو‭ ‬هدر‭ ‬مالي‭ ‬بشراء‭ ‬كميات‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية‭ ‬وتتعرض‭ ‬للتلف‭..‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬فُقد‭ ‬السجل‭ ‬الورقي؟،‭ ‬يجد‭ ‬المواطن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬لاستعادة‭ ‬تاريخ‭ ‬طفله‭ ‬الصحي،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬متاحة‭ ‬بضغطة‭ ‬زر‭ ‬عبر‭ ‬الرقم‭ ‬الوطني‭..‬من‭ ‬غير‭ ‬المقبول‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬تقف‭ ‬‮«‬فاتورة‭ ‬إنترنت‮»‬‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬أمن‭ ‬صحي‭ ‬قومي‭. ‬إن‭ ‬دور‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬لمكافحة‭ ‬الأمراض‭ ‬لا‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬استيراد‭ ‬الشحنات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬ضمان‭ ‬وصولها‭ ‬وتوثيقها‭ ‬بدقة‭ ‬تضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬التحصين‭ ‬للمجتمع‭..‬إننا‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬نطالب‭ ‬بـ«رفاهية‮»‬‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬بضرورة‭ ‬قصوى‭. ‬فبيانات‭ ‬ابني‭ ‬‮«‬أوسم‮»‬‭ ‬وآلاف‭ ‬الأطفال‭ ‬غيره‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الأصول‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُحفظ‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬بيانات‭ ‬محمية،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬دفاتر‭ ‬قد‭ ‬تمزقها‭ ‬الرطوبة،‭ ‬أو‭ ‬يمحوها‭ ‬الزمن‭.‬

الرسالة‭ ‬واضحة‭ ‬للمسؤولين،‭ ‬الرقمنة‭ ‬ليستْ‭ ‬ترفًا،‭ ‬وصحة‭ ‬أطفالنا‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬ميزانيات‭ ‬تشغيلية‭ ‬متعثرة‭. ‬أعيدوا‭ ‬الحياة‭ ‬للمنظومة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نفقد‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬أمنَّنا‭ ‬الصحي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى