الشارع

بناء الكرامة قبل إنشاء الحجر

جمال الهمالي اللافي

حين‭ ‬نتأملُ‭ ‬أحياءنا‭ ‬التي‭ ‬أنهكتها‭ ‬الفوضى‭ ‬العمرانية،‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬إصلاحها‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬قاسية،‭ ‬أو‭ ‬مشاريع‭ ‬جذرية،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬هادئة،‭ ‬وخطوات‭ ‬صغيرة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬معنى‭ ‬الانطلاق‭ ‬نحو‭ ‬بيئة‭ ‬سكنية‭ ‬أكثر‭ ‬جودة‭ ‬وكرامة‭. ‬إنَّ‭ ‬الفضاء‭ ‬العام‭ ‬حين‭ ‬يُحاط‭ ‬بالعناية‭ ‬يفرض‭ ‬احترامه‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬ويُعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأحياء‭ ‬شعورًا‭ ‬بالانتماء‭ ‬والفخر‭ ‬بمكانها،‭ ‬ويُسهم‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬سلوكيات‭ ‬السكان‭ ‬نحو‭ ‬الانضباط‭ ‬والنظافة‭ ‬والتعاون‭.‬

الهدمُ‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الحل‭. ‬إنه‭ ‬قرار‭ ‬مكلف‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ماديًا،‭ ‬ويعفي‭ ‬المخطَّطين‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬حلول‭ ‬خلّاقة‭. ‬أما‭ ‬الطريق‭ ‬الأسلم‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬بخطوات‭ ‬صغيرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يفتح‭ ‬أبوابًا‭ ‬واسعة‭ ‬نحو‭ ‬تحسين‭ ‬البيئة‭ ‬العمرانية،‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬الأحياء‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬التخلّف‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬الكرامة‭ ‬والجاذبية‭.‬

لقد‭ ‬أثبتتْ‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬أبسط‭ ‬الإجراءات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭. ‬فحين‭ ‬تُبلّط‭ ‬الشوارع‭ ‬الترابية‭ ‬بالحجر،‭ ‬أو‭ ‬البلاط،‭ ‬يتحوَّل‭ ‬سلوك‭ ‬السكان‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬احترام‭ ‬للفضاء‭ ‬العام،‭ ‬وانحسار‭ ‬لرمي‭ ‬القمامة،‭ ‬وولادة‭ ‬شعور‭ ‬بالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬يستحق‭ ‬العناية‭.‬

هذه‭ ‬ليستْ‭ ‬مجرد‭ ‬تفاصيل،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مفاتيح‭ ‬لتحولات‭ ‬كبرى‭.‬

الصور‭ ‬كنماذج‭ ‬حيّة

للمعالجات‭ ‬البسيطة‭ 

إنَّ‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬متوسطية‭ ‬تُجسِّد‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬البيئة‭ ‬السكنية‭ ‬ذات‭ ‬الجودة‭ ‬العالية‭: ‬شوارع‭ ‬ضيقة‭ ‬مرصوفة،‭ ‬وأزهار‭ ‬متدلية‭ ‬من‭ ‬الشرفات،‭ ‬ومقاهٍ‭ ‬صغيرة‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة،‭ ‬وألوان‭ ‬تُعيد‭ ‬للحي‭ ‬هويته‭ ‬البصرية‭. ‬إنها‭ ‬مشاهد‭ ‬بسيطة،‭ ‬لكنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تُحوِّل‭ ‬أحياءً‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬فشلوم‭ ‬والهضبة‭ ‬الخضراء‭ ‬ورأس‭ ‬حسن‭ ‬وسيدي‭ ‬خليفة‭ ‬وتاجوراء‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬نابضة‭ ‬بالحياة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أُحسن‭ ‬التفكير‭ ‬وأُحسن‭ ‬التنفيذ‭.‬

وهذه‭ ‬النماذج‭ ‬البصرية‭ ‬تصلح‭ ‬أن‭ ‬تُعرض‭ ‬أمام‭ ‬عمداء‭ ‬البلديات‭ ‬والمناطق،‭ ‬ومخططي‭ ‬المدن‭ ‬لتُظهر‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬التحسينات‭ ‬ليستْ‭ ‬بالضرورة‭ ‬مشروعات‭ ‬ضخمة،‭ ‬أو‭ ‬مُكلِّفة،‭ ‬بل‭ ‬خطوات‭ ‬مدروسة‭ ‬تُعيد‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬وحيِّه‭. ‬فتبليط‭ ‬الشوارع،‭ ‬وتحسين‭ ‬الإنارة،‭ ‬وزراعة‭ ‬الأشجار،‭ ‬وتنظيم‭ ‬الأرصفة‭ ‬ليستْ‭ ‬تفاصيل‭ ‬ثانوية،‭ ‬بل‭ ‬سياسات‭ ‬حضرية‭ ‬مستدامة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إخراج‭ ‬الأحياء‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬التخلّف‭ ‬العمراني‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬الكرامة‭ ‬والجاذبية‭. ‬والأهم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعالجات‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬سلوكيات‭ ‬السكان،‭ ‬إذ‭ ‬يصبحون‭ ‬أكثر‭ ‬حرصًا‭ ‬على‭ ‬نظافة‭ ‬أحيائهم،‭ ‬وأكثر‭ ‬احترامًا‭ ‬للفضاء‭ ‬العام‭ ‬حين‭ ‬يرونه‭ ‬مُحاطاً‭ ‬بالعناية‭.‬

هذه‭ ‬دعوة‭ ‬للبلديات‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لتحسين‭ ‬أحيائها،‭ ‬لأننا‭ ‬حين‭ ‬نرتقي‭ ‬ببيئتنا‭ ‬العمرانية،‭ ‬فإننا‭ ‬نرتقي‭ ‬بكرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يسكنها،‭ ‬ونمنحه‭ ‬شعورًا‭ ‬بالانتماء‭ ‬والفخر‭ ‬بمكانه،‭ ‬ونُسهم‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬سلوكياته‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬التنمية‭ ‬العمرانية‭: ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬الكرامة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬الحجرُ‭.‬

م‭. ‬جمال‭ ‬الهمالي‭ ‬اللافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى