
حين نتأملُ أحياءنا التي أنهكتها الفوضى العمرانية، ندرك أن إصلاحها لا يحتاج إلى قرارات قاسية، أو مشاريع جذرية، بل إلى رؤية هادئة، وخطوات صغيرة تحمل في جوهرها معنى الانطلاق نحو بيئة سكنية أكثر جودة وكرامة. إنَّ الفضاء العام حين يُحاط بالعناية يفرض احترامه على الجميع، ويُعيد إلى الأحياء شعورًا بالانتماء والفخر بمكانها، ويُسهم في تعديل سلوكيات السكان نحو الانضباط والنظافة والتعاون.
الهدمُ ليس هو الحل. إنه قرار مكلف اجتماعيًا قبل أن يكون ماديًا، ويعفي المخطَّطين من أعباء التفكير في حلول خلّاقة. أما الطريق الأسلم فهو الذي يبدأ بخطوات صغيرة، لكنه يفتح أبوابًا واسعة نحو تحسين البيئة العمرانية، ورفع مستوى الأحياء من دائرة التخلّف إلى فضاء الكرامة والجاذبية.
لقد أثبتتْ التجربة أن أبسط الإجراءات قادرة على إحداث تحولات عميقة. فحين تُبلّط الشوارع الترابية بالحجر، أو البلاط، يتحوَّل سلوك السكان تلقائياً إلى احترام للفضاء العام، وانحسار لرمي القمامة، وولادة شعور بالانتماء إلى مكان يستحق العناية.
هذه ليستْ مجرد تفاصيل، بل هي مفاتيح لتحولات كبرى.
الصور كنماذج حيّة
للمعالجات البسيطة
إنَّ الصور التي نراها من مدن متوسطية تُجسِّد هذا المعنى في سياق البيئة السكنية ذات الجودة العالية: شوارع ضيقة مرصوفة، وأزهار متدلية من الشرفات، ومقاهٍ صغيرة تنبض بالحياة، وألوان تُعيد للحي هويته البصرية. إنها مشاهد بسيطة، لكنها قادرة على أن تُحوِّل أحياءً مثل «فشلوم والهضبة الخضراء ورأس حسن وسيدي خليفة وتاجوراء» إلى فضاءات نابضة بالحياة، إذا ما أُحسن التفكير وأُحسن التنفيذ.
وهذه النماذج البصرية تصلح أن تُعرض أمام عمداء البلديات والمناطق، ومخططي المدن لتُظهر لهم أن التحسينات ليستْ بالضرورة مشروعات ضخمة، أو مُكلِّفة، بل خطوات مدروسة تُعيد الثقة بين المواطن وحيِّه. فتبليط الشوارع، وتحسين الإنارة، وزراعة الأشجار، وتنظيم الأرصفة ليستْ تفاصيل ثانوية، بل سياسات حضرية مستدامة قادرة على إخراج الأحياء من دائرة التخلّف العمراني إلى فضاء الكرامة والجاذبية. والأهم أن هذه المعالجات تُسهم في تعديل سلوكيات السكان، إذ يصبحون أكثر حرصًا على نظافة أحيائهم، وأكثر احترامًا للفضاء العام حين يرونه مُحاطاً بالعناية.
هذه دعوة للبلديات إلى اعتماد خطوات عملية لتحسين أحيائها، لأننا حين نرتقي ببيئتنا العمرانية، فإننا نرتقي بكرامة الإنسان الذي يسكنها، ونمنحه شعورًا بالانتماء والفخر بمكانه، ونُسهم في تعديل سلوكياته نحو الأفضل. وهذا هو جوهر التنمية العمرانية: أن تُبنى الكرامة قبل أن يُبنى الحجرُ.
م. جمال الهمالي اللافي



