ثقافة

مؤثرات الذاكرة في ديوان (عرافة دلفي) للكاتبة مفيدة جبران

د. إبتسام صفر

‭ ‬كانتْ‭ ‬الذاكرة‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬عرافة‭ ‬دلفي‭ ‬للكاتبة‭ ‬مفيدة‭ ‬محمد‭ ‬جبران‭ ‬حيث‭ ‬اشتمل‭ ‬الديوان‭ ‬على‭ ‬قصائد‭ ‬نثرية‭ ‬ماتعة،‭ ‬وموضوعات‭ ‬تحمل‭ ‬المشاعر‭ ‬والإحساس‭ ‬للمتلقي‭ ‬وتعيد‭ ‬الشاعرة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحياة‭ ‬برؤيتها‭ ‬الواعية‭ ‬أعطتْ‭ ‬الشاعرة‭ ‬مساحة‭ ‬للذاكرة‭ ‬المكان‭ ‬والتاريخ‭ ‬والوطن،‭ ‬وذاكرة‭ ‬الذات‭ ‬ومزجت‭ ‬قصائدها‭ ‬بالصور‭ ‬الخيالية‭ ‬والرؤية‭ ‬الجمالية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬عالمها‭ ‬الجميل‭ ‬ونذكر‭ ‬منها‭:‬

عتبات‭ ‬العناوين

اتخذت‭ ‬الشاعرة‭ ‬مفيدة‭ ‬عنوان‭ ‬الديوان‭ )‬عرافة‭ ‬دلفي‭(‬‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأساطير‭ ‬اليونانية‭ ‬كانتْ‭ ‬‮«‬عرافة‭ ‬دلفي‮»‬‭ ‬أشهر‭ ‬عرافة‭ ‬قديمة،‭ ‬وتعد‭ ‬أهم‭ ‬شخصية‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬اليوناني‭ ‬وهي‭ ‬رمزٌ‭ ‬للحكمة‭ ‬وقد‭ ‬تضمن‭ ‬الديوان‭ ‬قصيدة‭ ‬كاملة‭ ‬بعنوان‭ ‬عرافة‭ ‬دلفي‭  أما‭ ‬العناوين‭ ‬الداخلية‭ ‬للديوان‭ ‬تنوعت‭ ‬معالمها‭ ‬بين‭ ‬الطبيعة‭ ‬مثل‭ : ‬قصيدة‭ ‬بحر،‭ ‬غناء‭ ‬النوارس،‭ ‬تغريدة‭ ‬الكناري،‭ ‬والأساطير‭ ‬التاريخية‭ ‬القديمة‭ ‬مثل‭ : ‬عرافة‭ ‬دلفي،‭ ‬طرابلس‭ ‬ياسادة،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬تنحى‭ ‬الشاعرة‭ ‬إلى‭ ‬عناوين‭ ‬أخرى‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬الشوق‭ ‬مثل‭ : ‬الحنين،‭ ‬أماه،‭ ‬وأخرى‭ ‬عناوين‭ ‬تحمل‭ ‬اسمها‭ ‬ولمسات‭ ‬ذاتها‭ ‬مثل‭ :‬مفيدة،‭ ‬في‭ ‬عيدك،‭ ‬هذه‭ ‬العتبات‭ ‬شكلت‭ ‬أبعادًا‭ ‬روحية‭ ‬ونفيسة‭ ‬للقصائد،‭ ‬وكانت‭ ‬عناوين‭ ‬مترابطة‭ ‬مع‭ ‬موضوعات‭ ‬النصوص‭ ‬الشعرية‭..‬وهي‭ ‬عتبات‭ ‬مؤثرة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬الذاكرة‭ ‬بين‭ ‬الحاضر‭ ‬والماضي‭.‬

قسمت‭ ‬مؤثرات‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭:‬

ذاكرة‭ ‬الوطن‭:‬‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬غاستون‭ ‬باشلار‮»‬‭ :‬‭ ‬حين‭ ‬نستدعي‭ ‬هذه‭ ‬الذكريات‭ ‬فإننا‭ ‬نضيف‭ ‬إلى‭ ‬مخزون‭ ‬ذكرياتنا‭ ‬الأحلام‭ ‬إننا‭ ‬لسنا‭ ‬مؤرخين‭ ‬حقيقين‭ ‬بل‭ ‬نحن‭ ‬أقرب‭ ‬إل‭ ‬الشعراء‭.‬

طرابلس‭ ‬يا‭ ‬سادة‭ .. ‬يا‭ ‬عصية‭ ‬الدمع‭ ‬

نقش‭ ‬اسمك‭ ‬بماء‭ ‬التبر‭ .. ‬الطاء‭ ‬طرب،‭ ‬والراء‭ ‬رضا

والألف‭ ‬أرض‭ ‬الألهة‭ .. ‬والله‭ ‬واحد

والباء‭ ‬بلسم‭ ‬الروح‭ .. ‬واللام‭ ‬ليل‭ ‬العشاق‭ ‬

نلحظ‭ ‬روح‭ ‬الوطن‭ ‬وعشقه‭ ‬عند‭ ‬الشاعرة‭ ‬فهي‭ ‬صورتْ‭ ‬طرابلس‭ ‬بمعالمها‭ ‬الجميلة،‭ ‬واتخذتْ‭ ‬حروف‭ ‬كلماتها‭ ‬نسيجًا‭ ‬لحكايات‭ ‬طرابلس‭ ‬فهي‭ ‬مدينة‭ ‬الحضارة،‭ ‬والتاريخ،‭ ‬وفن‭ ‬المالوف‭ ‬والموشحات‭.‬

وذاكرة‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬المؤثرات‭ ‬الجميلة‭ ‬في‭ ‬النّص‭ ‬الشعري‭ ‬عبرتْ‭ ‬الشاعرة‭ ‬عن‭ ‬وطنها‭ ‬ليبيا‭ ‬وما‭ ‬يمر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬وصراعات‭ ‬كانتْ‭ ‬صدى‭ ‬لنصوصها‭:‬

ليبيا‭ – ‬كم‭ ‬تجرعت‭ ‬الألم‭ ‬وصبرت‭ – ‬فزادك‭ ‬الألم‭ ‬صمودا‭ ‬وتأصيلا‭  .‬

هنا‭ ‬تحضر‭ ‬الوطنية‭ ‬بكل‭ ‬صورها‭ ‬وذكرياتها‭ ‬وحروبها‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬استقرارها‭ ‬وتظهر‭ ‬الشاعرة‭ ‬تأثيرها‭ ‬بالأحداث‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭.‬

ذاكرة‭ ‬الذات‭:‬

كانت‭ ‬الذات‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬القصائد‭ ‬وقد‭ ‬أخذت‭ ‬مسارات‭ ‬متنوعة‭ ‬للبوح‭ ‬تارة‭ ‬مثل‭ : ‬قصيدة‭ ‬الندم‭ ‬قالت‭:‬

كم‭ ‬كنتُ‭ ‬غبية‭ .. ‬كم‭ ‬كنتُ‭ ‬اعتقد‭ –  ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يدور‭ ‬لأجلي

وتارة‭ ‬أخرى‭ ‬تبعث‭ ‬الذات‭ ‬عن‭ ‬التأمل‭ ‬مثل‭:‬

متاهات‭ – ‬نفق‭ ‬ملتوي‭- ‬ومتاهات‭- ‬لستُ‭ ‬أنا‭ ‬أنا

ونرى‭ ‬الذات‭ ‬تتأمل‭ ‬وتبوح‭ ‬لحظات‭ ‬خلوتها‭ ‬لله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭  ‬مثل‭:  إلهي‭ ‬

أنت‭ ‬إلهي‭ ‬وأنت‭ ‬قرآني‭ .. ‬ووهج‭ ‬حياتي‭ ‬أحبك‭ ‬لأنك‭ ‬إلهي‭ ‬

تميز‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬بالذكريات‭ ‬مؤثرة‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬شخصية‭ ‬الشاعرة‭ ‬بين‭ ‬الصمت‭ ‬والبوح،‭ ‬وبين‭ ‬الانكسار‭ ‬والنهوض‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬بول‭ ‬ريكور‮»‬‭: ‬إن‭ ‬الذات‭ ‬وهي‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬ذاتها‭ ‬المتماهية‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الذات‭ ‬عما‭ ‬يكملها‭. ‬ص‭ ‬11‭ ‬

مزجت‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬الديوان‭ ‬باسمها‭ ‬مثل‭: ‬قصيدة‭ ‬مفيدة‭  ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬مادحة‭ .. ‬وللسائل‭ ‬ناصحة‭  ‬وفي‭ ‬نوائب‭ ‬الدهر‭ ‬مواسية‭ .. ‬وبقضاء‭ ‬الله‭ ‬راضية‭ ‬ظهرتْ‭ ‬الذات‭ ‬بوصف‭ ‬خصال‭ ‬مفيدة‭ ‬وذكر‭ ‬محاسنها‭ ‬الحميدة‭. ‬

ذاكرة‭ ‬التاريخ‭:‬

تأخذنا‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬المؤثرات‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬الديوان‭ ‬نذكر‭ ‬منها‭ ‬عرافة‭ ‬دلفي‭ ‬تقول‭  :‬

عبودية‭ ‬وجلاد‭ .. ‬وكرامة‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬الحضيض‭ ‬

وسياط‭ ‬من‭ ‬حديد‭ .. ‬كوني‭ ‬أنت‭ ‬

ظهرت‭ ‬علامات‭ ‬التأثير‭ ‬التاريخية‭ ‬واستحضار‭ ‬الماضي‭ ‬بصور‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬النثرية‭ ‬منها‭ : ‬

اقتربت‭ ‬جنية‭ ‬أكاكوس‭ – ‬سمعت‭ ‬صهيل‭ ‬خيولها‭ -‬وصليل‭ ‬نعالها‭ ‬

تحيطنا‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭ ‬اليوناني،‭ ‬والتاريخ‭ ‬ليبيا‭ ‬بذكر‭ ‬الأساطير‭ ‬وقوتهم‭ ‬ولحظات‭ ‬ضعفهم‭ ‬

مؤثر‭ ‬الطبيعة‭:‬

تمتع‭ ‬الديوان‭ ‬بنصيب‭ ‬كبير‭ ‬نحو‭ ‬الطبيعة‭ ‬منها‭ ‬قصيدة‭ ‬بحر‭ – ‬اتجول‭ ‬بين‭ ‬الصخور‭ – ‬أناجي‭ ‬الرب‭ ‬والطيور‭ ‬

اجلس‭ ‬أراقب‭ ‬النوارس‭ – ‬وارسم‭ ‬من‭ ‬السحب‭ ‬لوحات‭ ‬دافنشي‭ ‬‭.. ‬وقصيدة‭ ‬غناء‭ ‬النوارس‭ – ‬تغريدة‭ ‬الكناري‭ ‬مثل‭: ‬

الريم‭ – ‬غزال‭ ‬الريم‭- ‬خفة‭ ‬وجمال‭ – ‬عنبر‭ ‬ومسك‭ –  ‬رشاقة‭ ‬في‭ ‬العدو‭  .‬

هذا‭ ‬التصوير‭ ‬الجمالي‭ ‬الذي‭ ‬يلتقط‭ ‬الصور‭ ‬الخلابة‭ ‬والمدهشة‭ ‬للطبيعة‭ ‬يظل‭ ‬تأثيره‭ ‬على‭ ‬المتلقي‭ ‬بإيقاعاته‭ ‬المؤثرة‭ ‬والألفاظ‭ ‬الرقيقة‭  ‬ويصبح‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬راسخًا‭ .. ‬هكذا‭ ‬اعتمدتْ‭ ‬هذه‭ ‬النصوص‭ ‬على‭ ‬الانفتاح‭ ‬للحياة‭ ‬وكانت‭ ‬قصائد‭ ‬النثرية‭ ‬حرة‭ ‬بكلماتها‭ ‬تشكل‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬اثبات‭ ‬الوجود‭ ‬ومضات‭ ‬شعرية‭ ‬تدفقتْ‭ ‬بقوة‭ ‬الكلمات‭ ‬وعمق‭ ‬المعاني،‭ ‬وخرجتْ‭ ‬عن‭ ‬القصيدة‭ ‬التقليدية‭ ‬بكل‭ ‬صورها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى