رأيمقالات

وصف العقل العربي

عادل بشير الصاري

لماذا‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬تحديث‭ ‬بنيته‭ ‬؟‭.‬

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬المحيَّر‭ ‬استهلكتْ‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الجابري‭)‬1935ـ‭ ‬2010م‭( ‬نحو‭ ‬سبع‭ ‬عشرة‭ ‬سنة،‭ ‬قضَّاها‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬بنية‭ ‬هذا‭ ‬العقل‭ ‬وتشخيص‭ ‬علله،‭ ‬وأصدر‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬المدة‭ ‬سلسلة‭ ‬أسماها‭ )‬نقد‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭( ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬مجلدات‭ ‬هي‭:‬

1ـ‭ ‬تكوين‭ ‬العقل‭ ‬العربي،1984م‭.‬

2ــ‭ ‬بنية‭ ‬العقل‭ ‬العربي،1986م‭.‬

3ـ‭ ‬العقل‭ ‬السياسي‭ ‬العربي،1990م‭.‬

4ـ‭ ‬العقل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬العربي،2001م‭.‬

الكتابان‭ ‬الأولان‭ ‬هما‭ ‬مرتكز‭ ‬مشروع‭ ‬الجابري،‭ ‬وفيهما‭ ‬خلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬عبر‭ ‬تاريخه‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنظمة‭ ‬معرفية،‭ ‬ظلت‭ ‬منذ‭ ‬عصر‭ ‬التدوين‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬تنتج‭ ‬المعرفة‭ ‬وتصدر‭ ‬الأحكام،‭ ‬هي‭: ‬البيان‭ ‬والعرفان‭ ‬والبرهان،‭ ‬والسائد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬الثلاثة‭ ‬والمؤثر‭ ‬الفعلي‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تفكير‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬هو‭ ‬النظام‭ ‬الأول‭: ‬البيان‭.‬

ويوضح‭ ‬الجابري‭ ‬خاصية‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬المعرفية‭ ‬الثلاثة،‭ ‬فالنظام‭ ‬البياني‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬والقياس،‭ ‬والنظام‭ ‬العرفاني‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الحدس‭ ‬والكشف‭ ‬والتجربة‭ ‬الصوفية‭ ‬الباطنية،‭ ‬وهذان‭ ‬النظامان‭ ‬قد‭ ‬ميزا‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬في‭ ‬المشرق‭ ‬العربي،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬مغربه‭ ‬فإن‭ ‬النظام‭ ‬البرهاني‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬المنطق‭ ‬والاستدلال‭ ‬العقلي‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الغالب،‭ ‬وكان‭ ‬يمثله‭ ‬قديما‭ ‬ابن‭ ‬رشد‭.‬

ويخصص‭ ‬الجابري‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬الثاني‭ ‬فصلا‭ ‬للنظام‭ ‬البياني،‭ ‬ويقول‭ ‬عنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أنشأ‭ ‬علوم‭ ‬اللغة‭ ‬والدين،‭ ‬وضبطهما‭ ‬ضبطا‭ ‬محكما،‭ ‬وبهذا‭ ‬فقد‭ ‬تمت‭ ‬له‭ ‬الغلبة‭ ‬على‭ ‬العرفان‭ ‬والبرهان،‭ ‬وصار‭ ‬هو‭ ‬المنتج‭ ‬الرئيس‭ ‬للمعرفة‭ ‬ومصدر‭ ‬الأحكام‭. ‬ويؤكد‭ ‬الجابري‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬يشتغل‭ ‬وفق‭ ‬نظام‭ ‬البيان‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يخضع‭ ‬للنص‭ ‬ويحتكم‭ ‬إليه،‭ ‬ويتعامل‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬موضوع‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬مشكلة‭ ‬لغوية‭ ‬تُحَلُّ‭ ‬بالتأويل‭ ‬والتفسير‭ ‬والقياس،‭ ‬مستعينا‭ ‬بعلوم‭ ‬النحو‭ ‬والبلاغة‭ ‬والفقه‭ ‬والتفسير‭ ‬والكلام،‭ ‬ومستخدما‭ ‬القياس،‭ ‬فهو‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يقيس‭ ‬فرع‭ ‬الشيء‭ ‬على‭ ‬أصله،‭ ‬والشاهد‭ ‬على‭ ‬الغائب،‭ ‬أو‭ ‬يلحق‭ ‬حالة‭ ‬بحالة‭ ‬سابقة،‭ ‬لهذا‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬تكرار‭ ‬المعاني‭ ‬والأفكار‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجهما‭.‬

ومجمل‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الجابري‭ ‬خلص‭ ‬من‭ ‬مشروعه‭ ‬النقدي‭ ‬إنه‭ ‬آن‭ ‬الآوان‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لفكر‭ ‬وعقلية‭ ‬بن‭ ‬رشد‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشتغل‭ ‬وفق‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬البرهاني،‭ ‬وهذا‭ ‬النظام‭ ‬يتميز‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬بأنه‭ ‬ينتج‭ ‬المعرفة‭ ‬والأفكار،‭ ‬ولا‭ ‬يكتفي‭ ‬باستهلاك‭ ‬القديم‭ ‬منها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى