إن ظاهرة أمية المتعلمين لم تعد مجرد ملاحظة تربوية عابرة بل باتت تشكل أزمة بنيوية عميقة تضرب في صميم العملية التعليمية المعاصرة وتكشف عن شرخ كبير بين ما تمنحه المدرسة من شهادات وبين ما يمتلكه الطالب من مهارات حقيقية فالتوسع في هذه القضية يقودنا إلى إدراك أن المشكلة ليست في غياب القدرة على القراءة والكتابة كفعل ميكانيكي بل في غياب القدرة على التفكير من خلال اللغة فالمتعلم الذي يفتقر إلى فهم النص وتحليله هو في الحقيقة معزول عن تراثه ومعارف عصره ويتحول إلى متلق سلبي للمعلومات الجاهزة التي يتم تلقيمها له دون أدنى قدرة على الفرز أو النقد أو التساؤل وهذا التراجع في الملكة اللغوية انعكس بشكل مباشر على جودة المخرجات التربوية حيث نجد طلابا في مراحل دراسية متقدمة يعانون من ضعف فاضح في صياغة الجملة البسيطة أو التعبير عن أبسط الأفكار وهو ما يحيل الكتابة إلى عملية استنساخ فارغة من المعنى والعمق إن الأزمة تتجاوز المناهج لتصل إلى ثقافة التلقين التي سادت في بيئاتنا التعليمية حيث يتم التركيز على حفظ المعلومة لا استيعابها مما أدى إلى ضمور ملكة التفكير اللغوي لدى الطالب فصار يقضي سنوات طويلة في المدرسة دون أن يتسنى له اكتساب المهارات الأساسية التي تؤهله للتعامل مع النصوص الفكرية والعلمية بوعي واستقلالية إن هذا الواقع يستوجب إعادة النظر في فلسفة التقييم والنجاح والانتقال من منطق الترفيع التلقائي إلى منطق التمكن الفعلي حيث لا يتم منح الطالب شهادة عبور إلا إذا أثبت كفاءة حقيقية في القراءة الكتابية والتحليل المنطقي فإصلاح هذا الخلل يتطلب استراتيجية وطنية شاملة تبدأ من المراحل الابتدائية ولا تنتهي عند الإعدادية والثانوية عبر تكثيف ساعات اللغة العربية وتدريسها كمادة مهارية لا كمادة حفظ وتاريخ أدبي إضافة إلى ضرورة إشراك الأسرة والمؤسسات الثقافية في خلق بيئة تحفز على القراءة الواعية كما أن تفعيل دورات استدراكية إجبارية خلال العطلات ليس مجرد إجراء إضافي بل هو ضرورة حتمية لإنقاذ جيل كامل من التسرب المعرفي المقنع الذي لا يدرك خطورته إلا حين يصطدم هؤلاء الطلاب بسوق العمل أو بمجالات الدراسات العليا حيث يكتشفون أن شهاداتهم الدراسية لم تمنحهم سوى وهم المعرفة لا أدواتها إننا أمام استحقاق تاريخي يفرض علينا الاعتراف بوجود هذا الخلل والعمل على معالجته بكل حزم بعيدا عن المسكنات البيروقراطية لأن ثمن الصمت عن هذه الأمية المتعلمة هو ضياع طاقات شبابية كان يمكن أن تكون رافعة للنهضة العلمية والثقافية لو أتيح لها أن تمتلك مفاتيح الفكر الصحيح قبل أن تترقى في مراتب التعليم الصوري.
أشترك في القائمة البريدية ليصلك كل ماهو جديد من اخبار
مقالات ذات صلة
سرقة تعب المجتهدين وخيانة للأمانة
منذ 17 ساعة
شاهد أيضاً
إغلاق
-
سرقة تعب المجتهدين وخيانة للأمانةمنذ 17 ساعة

