اقتصاد

غذاؤنا‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الخطر

رجب‭ ‬عصر

لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬زراعية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مقومات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬غذاء‭ ‬آمن‭ ‬ومستدام‭ ‬لشعوبها‭ ‬تظل‭ ‬رهينة‭ ‬للأزمات‭ ‬العالمية،‭ ‬وتقلبات‭ ‬الأسواق،‭ ‬والاضطرابات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭. ‬وفي‭ ‬ليبيا،‭ ‬يزداد‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬البلاد،‭ ‬وما‭ ‬يواجهه‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬متراكمة‭. ‬تمتلك‭ ‬ليبيا‭ ‬مقومات‭ ‬كبيرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬أمنها‭ ‬الغذائي؛‭ ‬فهي‭ ‬تمتلك‭ ‬أراضي‭ ‬زراعية‭ ‬خصبة‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق،‭ ‬ومخزونًا‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية،‭ ‬وساحلًا‭ ‬يمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬1900‭ ‬كيلومتر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدعم‭ ‬قطاع‭ ‬الثروة‭ ‬السمكية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ثروة‭ ‬حيوانية‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬بها‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأسواق‭ ‬الليبية‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬معظم‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الغذاء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬عرضة‭ ‬لأي‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬وندرة‭ ‬الأمطار‭. ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬البلاد‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مواسم‭ ‬جفاف‭ ‬متكررة‭ ‬وانخفاضًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬هطول‭ ‬الأمطار،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي،‭ ‬وتقلص‭ ‬المراعي‭ ‬الطبيعية،‭ ‬وزيادة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬الجوفية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيسي‭ ‬للري‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬المناطق‭. ‬كما‭ ‬ساهم‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬والتصحر‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الرقعة‭ ‬الزراعية‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬التحديات‭ ‬عند‭ ‬العوامل‭ ‬المناخية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬المبيدات‭ ‬والأسمدة‭ ‬الزراعية‭. ‬فقد‭ ‬أثارت‭ ‬نتائج‭ ‬التحاليل‭ ‬التي‭ ‬أعلن‭ ‬عنها‭ ‬مكتب‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬بشأن‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات‭ ‬الزراعية‭ ‬مخاوف‭ ‬كبيرة‭ ‬لدى‭ ‬المواطنين،‭ ‬بعد‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬مخالفات‭ ‬تتعلق‭ ‬باستخدام‭ ‬مبيدات‭ ‬محظورة‭ ‬أو‭ ‬مواد‭ ‬كيميائية‭ ‬غير‭ ‬مطابقة‭ ‬للمواصفات‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العينات‭. ‬وهذه‭ ‬القضية‭ ‬تمثل‭ ‬جرس‭ ‬إنذار‭ ‬حقيقي،‭ ‬لأن‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬توفر‭ ‬الغذاء،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الغذاء‭ ‬آمنًا‭ ‬وصالحًا‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬وخاليًا‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭. ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬تداول‭ ‬منتجات‭ ‬زراعية‭ ‬غير‭ ‬مطابقة‭ ‬للمواصفات،‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬مبيدات‭ ‬محظورة‭ ‬دون‭ ‬رقابة‭ ‬صارمة،‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة،‭ ‬ويقوض‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬المنتج‭ ‬المحلي،‭ ‬ويضر‭ ‬بالمزارعين‭ ‬الملتزمين‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬غذاء‭ ‬صحي‭ ‬وآمن‭.‬

كما‭ ‬يواجه‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬تحديات‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬مستلزمات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وضعف‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬للمزارعين،‭ ‬وغياب‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬الري‭ ‬والإنتاج،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬المخازن‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ومرافق‭ ‬التصنيع‭ ‬الزراعي،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المحاصيل‭ ‬قبل‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭. ‬إن‭ ‬تحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالشعارات،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬شاملة‭ ‬تبدأ‭ ‬بتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬وتداول‭ ‬المبيدات‭ ‬والأسمدة،‭ ‬ودعم‭ ‬المختبرات‭ ‬الوطنية‭ ‬لفحص‭ ‬المنتجات‭ ‬الغذائية،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الزراعة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وترشيد‭ ‬استخدام‭ ‬المياه،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتوفير‭ ‬الدعم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمزارعين،‭ ‬مع‭ ‬إنشاء‭ ‬مخزون‭ ‬استراتيجي‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬للمواطن‭ ‬دورًا‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترشيد‭ ‬استهلاك‭ ‬الغذاء،‭ ‬ودعم‭ ‬المنتج‭ ‬المحلي‭ ‬الملتزم‭ ‬بالمواصفات،‭ ‬والإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تجاوزات‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬سلامة‭ ‬الغذاء‭.‬

إن‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حق‭ ‬لكل‭ ‬مواطن،‭ ‬وواجب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬مؤسسة‭. ‬وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬مستقبلًا‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬لأبنائنا،‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نبدأ‭ ‬اليوم‭ ‬بحماية‭ ‬أرضنا،‭ ‬ومياهنا،‭ ‬وزراعتنا،‭ ‬وصحة‭ ‬مواطنينا‭. ‬فالوطن‭ ‬الذي‭ ‬يؤمّن‭ ‬غذاءه،‭ ‬يؤمّن‭ ‬مستقبله،‭ ‬ويعزز‭ ‬استقلال‭ ‬قراره‭ ‬وسيادته‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى