
لم يعد الأمن الغذائي مجرد قضية زراعية أو اقتصادية، بل أصبح أحد أهم مقومات الأمن القومي لأي دولة. فالدول التي تعجز عن توفير غذاء آمن ومستدام لشعوبها تظل رهينة للأزمات العالمية، وتقلبات الأسواق، والاضطرابات السياسية والاقتصادية. وفي ليبيا، يزداد هذا الملف أهمية في ظل الظروف التي تمر بها البلاد، وما يواجهه القطاع الزراعي من تحديات متراكمة. تمتلك ليبيا مقومات كبيرة لتحقيق جزء مهم من أمنها الغذائي؛ فهي تمتلك أراضي زراعية خصبة في العديد من المناطق، ومخزونًا من المياه الجوفية، وساحلًا يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر يمكن أن يدعم قطاع الثروة السمكية، إضافة إلى ثروة حيوانية لا يستهان بها. ومع ذلك، لا تزال الأسواق الليبية تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد معظم احتياجاتها من الغذاء، وهو ما يجعلها عرضة لأي أزمة عالمية أو ارتفاع في الأسعار. ومن أبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في ليبيا التغيرات المناخية وندرة الأمطار. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة مواسم جفاف متكررة وانخفاضًا واضحًا في معدلات هطول الأمطار، الأمر الذي أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي، وتقلص المراعي الطبيعية، وزيادة الضغط على المياه الجوفية التي أصبحت المصدر الرئيسي للري في معظم المناطق. كما ساهم ارتفاع درجات الحرارة والتصحر في تقليص الرقعة الزراعية وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء.
ولا تقف التحديات عند العوامل المناخية فقط، بل تمتد إلى ضعف الرقابة على استخدام المبيدات والأسمدة الزراعية. فقد أثارت نتائج التحاليل التي أعلن عنها مكتب النائب العام بشأن بعض المنتجات الزراعية مخاوف كبيرة لدى المواطنين، بعد الكشف عن وجود مخالفات تتعلق باستخدام مبيدات محظورة أو مواد كيميائية غير مطابقة للمواصفات في بعض العينات. وهذه القضية تمثل جرس إنذار حقيقي، لأن الأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الغذاء، بل يعني أيضًا أن يكون الغذاء آمنًا وصالحًا للاستهلاك، وخاليًا من المواد التي قد تهدد صحة الإنسان. إن استمرار تداول منتجات زراعية غير مطابقة للمواصفات، أو استخدام مبيدات محظورة دون رقابة صارمة، قد يؤدي إلى انتشار الأمراض المزمنة، ويقوض ثقة المستهلك في المنتج المحلي، ويضر بالمزارعين الملتزمين الذين يسعون إلى إنتاج غذاء صحي وآمن.
كما يواجه القطاع الزراعي تحديات أخرى، من بينها ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وضعف الدعم الفني للمزارعين، وغياب التقنيات الحديثة في الري والإنتاج، بالإضافة إلى نقص المخازن الاستراتيجية ومرافق التصنيع الزراعي، مما يؤدي إلى فقدان جزء من المحاصيل قبل وصولها إلى الأسواق. إن تحقيق الأمن الغذائي في ليبيا لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية شاملة تبدأ بتشديد الرقابة على استيراد وتداول المبيدات والأسمدة، ودعم المختبرات الوطنية لفحص المنتجات الغذائية، وتشجيع الزراعة الحديثة، وترشيد استخدام المياه، والاستثمار في البحث العلمي، وتوفير الدعم الحقيقي للمزارعين، مع إنشاء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية لمواجهة الأزمات.
كما أن للمواطن دورًا لا يقل أهمية، من خلال ترشيد استهلاك الغذاء، ودعم المنتج المحلي الملتزم بالمواصفات، والإبلاغ عن أي تجاوزات قد تهدد سلامة الغذاء.
إن الأمن الغذائي ليس رفاهية، بل هو حق لكل مواطن، وواجب على كل مؤسسة. وإذا أردنا مستقبلًا أكثر استقرارًا لأبنائنا، فعلينا أن نبدأ اليوم بحماية أرضنا، ومياهنا، وزراعتنا، وصحة مواطنينا. فالوطن الذي يؤمّن غذاءه، يؤمّن مستقبله، ويعزز استقلال قراره وسيادته.


