
لم تعدْ أزمةُ المياهِ في ليبيا مرتبطة بندرة الموارد فقط بل أصبحتْ سلامة مياه الشرب نفسها محل قلق متزايدٍ لدى المواطنين خاصة بعد تداول أخبار ومنشورات على منصات «الإنترنت» تتحدث عن تلوث بعض مصادر المياه بـ«البكتيريا» ما دفع كثيرين إلى التشكيك في جودة المياه والخوف من شربها دون أن تتوافر دائمًا معلومات رسمية واضحة.
لذا رأينا في هذا الاستطلاع الاقتراب من القضية عبر طرح أسئلة رئيسة وهي: إلى أي مدى تتعرّض مصادر المياه في ليبيا للتلوث والاستنزاف؟. وما تأثير ذلك على صحة المواطن، والأمن الغذائي؟ ومَنِ المسؤول عن مراقبة جودة المياه وحمايتها؟، وهل تقوم الجهات المختصة بدورها الرقابي؟. وما الحلول العملية القادرة على حماية المياه الجوفية وتنويع مصادرها وضمان وصول مياه آمنة إلى المواطنين؟ تباينت وجهات النظر والإجابات…
أكثر من 80 % من موارد المياه تذهب للزراعة التي لا يتجاوز إسهامها في الأمن الغذائي 20 %
ماذا يحتاج تطوير قطاع المياه؟
ذكر وزير الموارد المالية م. حسني محمد عويدان أنَّ معالجة مشكلة مياه الشرب تتطلب إدارة متكاملة للموارد وتوظيف التقنيات الحديثة، وضرورة أن تبذل الوزارة جهدها لمواجهة التحديات التي يشهدها قطاع المياه التي من بينها ضمان توفير مياه شربٍ آمنة ومستدامة تتطلب تطوير منظومة إدارة الموارد المائية والاعتماد على التقنيات الحديثة والبيانات الدقيقة. وأوضح عويدان أنَّ الوزارة تعمل على رفع كفاءة الكوادر الوطنية وتطوير قدراتها الفنية من خلال التدريب على استخدام نظم المعلومات الجغرافية «GIS» في نموذجة موارد المياه السطحية، والجوفية بما يساعد على جمع وتحليل البيانات ودعم اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة الموارد المائية.
وأشار إلى أن تطوير قطاع المياه يحتاج كذلك إلى تعزيز البنية التحتية وشبكات المياه والصرف الصحي وتحسين مستوى التنسيق بين الجهات المختصة إلى جانب معالجة المختنقات التشغيلية ووضع خطط واضحة للتنفيذ والمتابعة.
هل استفاد الوزير من مشاركته في ندوة كيغالي؟
وأكد عويدان على أهمية الاستفادة من التجارب الدولية والإقليمية في مواجهة تحديات المياه موضحًا أن مشاركته في ندوة قادة أنظمة المياه والصرف الصحي في أفريقيا بالعاصمة الرواندية «كيغالي» أتاحت الاطلاع على تجارب في مجالات حوكمة قطاع المياه وتمويل المشروعات وتطوير البنية التحتية والاستثمار ومشاركة القطاع الخاص واستخدام البيانات في إدارة الموارد المائية.
وأردف: الوزارة تتابع كذلك أعمال صيانة وتنظيف منظومة تصريف مياه الأمطار وتعزيز التنسيق مع الشركة العامة للمياه والصرف الصحي بهدف الحد من تجمعات المياه وتحسين كفاءة المنظومة، مبينًا أن التحدي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل الخطط والدراسات والتدريب والتعاون الدولي إلى مشروعات وحلول عملية قابلة للتنفيذ والقياس بما يُسهم في حماية الموارد المائية وضمان وصول مياه شرب آمنة ومستدامة إلى المواطنين.
أهمية التوعية والإرشاد المائي
ومن جانبه أوضح د. مختار راضي مدير مكتب التعاون الدولي أن أكثر من 80 % من موارد المياه تذهب للزراعة بينما لا يتجاوز إسهام هذا القطاع في الأمن الغذائي 20 %، ما يستدعي التوجه نحو الزراعة الذكية وترشيد استهلاك المياه.
وشدَّد على أهمية التوعية والإرشاد المائي عبر الإعلام، والمدارس، والمساجد والحد من الإسراف مع إمكانية الاعتماد على مياه التحلية عند نقص الموارد.
متى نستفيد من الدراسات الليبية التي تناولت مشكلات تلوث المياه؟
وأوضح أ.د خالد غومة وكيل جامعة طرابلس للشؤون العلمية.. إن الجامعة تضم العديد من الدراسات والرسائل العلمية التي أعدّها طلبة الماجستير والدكتوراه والتي تناولتْ قضايا، ومشكلات تلوث المياه سواء على مستوى الجامعة بشكل عام، أو في قسم «الجغرافيا »بصفة خاصة. لافتًا أنَّ هذه الدراسات توصلتْ إلى جملة من النتائج والتوصيات العلمية المهمة إلا أنَّ جانبًا كبيرًا من الرسائل والأطروحات العلمية ما يزال حبيس الأدراج. ولم يُستفد منه بالشكل الذي يتناسب وحجم الجهد المبذول في إعدادها وما رافقها من إشراف ومتابعة من أساتذة وباحثين متخصصين.
وأشار « غومة» إلى أنه من الضروري تشكيل مجلس، أو لجنة علمية متخصصة تُعنى بمراجعة أبرز نتائج وتوصيات الرسائل والأطروحات العلمية في مختلف التخصصات والعمل على تصنيفها واستخلاص ما يمكن الاستفادة منه ثم إحالة التوصيات المهمة إلى رئاسة مجلس الوزراء والجهات التنفيذية المختصة بما يضمن تحويل المعرفة والبحث العلمي إلى حلول عملية تخدم الدولة والمجتمع.
مخاطر الصرف الصحي
د.رجب فرج اقنيبر يرى أن مياه الصرف الصحي من أبرز المخاطر التي تهدد جودة المياه الجوفية في طرابلس، بسبب التوسع العمراني وقصور شبكات الصرف الصحي والاعتماد على الآبار السوداء ما يؤدي إلى تسرب الملوثات إلى الخزان الجوفي خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والقريبة من آبار المياه. مضيفا أن الحل يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بتطوير ومعالجة مياه الصرف الصحي ومنع تصريفها دون معالجة وتحديد مناطق حماية حول الآبار ومراقبة جودة المياه الجوفية دورياً وتنظيم حفر الآبار وكميات السحب منها والتوسع في استخدام المياه المعالجة للأغراض المناسبة. كما يشدد على أهمية استخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد لإعداد خريطة لمخاطر المياه في طرابلس، تحدد مواقع الآبار ومصادر التلوث واتجاهات المياه الجوفية والمناطق المعرضة لتداخل مياه البحر.
لا تزال 126 بئرًا متوقفة وتحتاج إلى قطع غيار
نفى م.محمود أبو عائشة مدير منظومة الحساونة سهل الجفارة بمشروع النهر الصناعي احتمالية تلوث مياه النهر الصناعي التي تصل مدينة طرابلس. وأوضح أن منظومة المياه تعمل وفق آلية معينة وعبر قنوات مغلقة تقلل فرص التلوث عدا أن المياه تخضع يوميًا للتحليل، والتطهير، والتعقيم مع إضافة الكلور لحماية المواطنين.
وأوضح أن التلوث قد يحدث داخل خزانات المنازل نتيجة عدم تنظيفها لفترات طويلة، داعيًا إلى تنظيفها وتعقيمها دوريًا، ومطمئنًا المواطنين، خاصة في طرابلس إلى أن المياه تصلهم معالجة ومعقمة.
وفيما يتعلق بانقطاع مياه الشرب في مدينة طرابلس أوضح أبو عائشة أن الاعتداءات التي تعرضت لها حقول الآبار بعد عام 2011 م أدت إلى تخريب أكثر من 177 بئرًا بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 500 ألف متر مكعب واستمرتْ أعمال التخريب حتى 2019م، ومع ذلك تمكنتْ الفرق الفنية من صيانة 51 بئرًا، بينما لا تزال 126 بئرًا متوقفة وتحتاج إلى قطع غيار مستوردة من الخارج.
خزانات صغيرة وتمدد عشوائي
يشرح د. عبد الباسط إبراهيم المشاط عضو هيئة التدريس بقسم الجغرافيا في جامعة طرابلس، مشكلة المياه من حيث ارتباطها بصغر الخزانات والأحواض الجوفية القريبة من الساحل إلى جانب التوسع الزراعي والاستهلاك غير المدروس للمياه ما أدى إلى استنزاف هذه الأحواض وتداخل مياه البحر المالحة معها. وأوضح أن الخلَّل الإداري والتوسع العمراني دون مراعاة الوضع المائي إضافة إلى انتشار التقسيمات العشوائية وغياب الرقابة أسهما في تفاقم المشكلة. كما أدى تصريف مياه الصرف الصحي إلى تلوث المناطق الساحلية، وتسرب الملوثات إلى الخزانات الجوفية، مشيرًا إلى وجود أكثر من 17 مصبًا لمياه الصرف الصحي تمتد من تاجوراء إلى جنزور. وأشار المشاط إلى أن تلوث الساحل أسهم في تراجع جودة البيئة ودفع بعض السكان إلى الانتقال نحو الضواحي بالتزامن مع انتشار العشوائيات. وأرجع بطء معالجة مشكلة تلوث المياه إلى قصور أداء مؤسسات الدولة والاستعانة بغير المتخصصين، الأمر الذي يزيد من تعقيد المشكلة ويؤخر الوصول إلى حلول فعالة.
مواجهة الأزمة تحتاج إلى تنسيق حقيقي
د.مباركة الغرياني من جهتها قالتْ: إنَّ أزمة المياه في ليبيا تعود إلى عوامل طبيعية وبشرية أبرزها الجفاف وقلة الأمطار والاعتماد المفرط على المياه الجوفية والضخ العشوائي وانتشار الآبار غير المرخصة. وأوضحتْ أن تهالك شبكات المياه وارتفاع الفاقد وضعف الصيانة والرقابة إلى جانب محدودية الاستفادة من مياه الصرف المعالجة والتحلية ومياه الأمطار أسهمت في تفاقم الأزمة وتدهور جودة بعض مصادر المياه.
وترى الغرياني أن الحل يتطلب إدارة متكاملة للموارد المائية تشمل تنظيم الآبار ومراقبة كميات السحب وجودة المياه باستخدام نظم المعلومات الجغرافية وتأهيل شبكات المياه وخفض الفاقد والتوسع في تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها. كما دعتْ إلى حصاد مياه الأمطار وحماية مناطق تغذية الخزانات الجوفية ورفع كفاءة الري الزراعي مؤكدة أن مواجهة الأزمة تحتاج إلى تنسيق حقيقي بين المؤسسات والبلديات والجامعات وخطط واضحة وممولة تضمن حماية الموارد المائية وتحقيق الأمن المائي.
وجود حالات تلوث في سهل الجفارة والمنطقة الشرقية
أشار أ.عادل محمد شنفير عضو هيئة التدريس بجامعة طبرق إلى أهمية استخدام نظم المعلومات الجغرافية «GIS» في تحديد مواقع تلوث مياه الشرب والمياه الجوفية مؤكدًا أنها توفر نتائج دقيقة وتساعد في التخطيط الاستراتيجي وصياغة توصيات قابلة للتنفيذ.
وأكد أن حفر آبار الصرف الصحي في بعض الأحياء العشوائية يؤدي إلى تسرب الملوثات إلى طبقات المياه الجوفية، وقد تختلط بمياه آبار الشرب المجاورة.
وأشار إلى وجود حالات تلوث في سهل الجفارة، والمنطقة الشرقية. مؤكدًا أن غياب منظومة صرف صحي سليمة يجعل المياه الجوفية عرضة للتلوث مهما بدأ البناء حديثًا ومنظمًا.
الأولوية يجب أن تكون للأمن المائي
ويوصي أ.د.فتحي بن شتوان بضرورة إدارة علمية للموارد المتاحة وحماية المياه الجوفية من الاستنزاف والتلوث ورفع كفاءة الري وتنويع مصادر المياه والتوسع المدروس في التحلية وإعادة الاستخدام مع ربط السياسة الزراعية بالقدرة المائية الفعلية.
وأوضح أن هذه الرؤية تنطلق من مرتكزات التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد والاعتماد على العلم والتكنولوجيا وحماية الموارد الطبيعية وبناء الدولة الحديثة مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون للأمن المائي وحماية المياه الجوفية، باعتبارهما أساسًا للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
دراسات وبحوث جامعية تناولت
المشكلة وللأسف بقيت حبيسة الأدراج
تلوث المياه سببه قصور أداء مؤسسات الدولة والاستعانة بغير المتخصصين
وجود أكثر من 17 مصبًا لمياه الصرف
الصحي تمتد من تاجوراء إلى جنزور



