
في المولد النبوي الشريف تحتفل الأسر الليبية بهذه المناسبة التي تحظى بمكانة روحية واجتماعية.. وفي المقابل تعود إلى الواجهة ظاهرة الألعاب النارية والمفرقعات التي تنتشر بين الأطفال والشباب رغم ما قد تسببه من حروق وإصابات خطيرة. ويطرح انتشارها أسئلة قديمة جديدة: كيف تدخل هذه الألعاب إلى ليبيا؟ ومن يقف وراء تداولها؟ ومن يشتريها؟ وما أسعارها؟ وهل تكفي الرقابة للحد من انتشارها؟ وما دور الأسرة والحرس البلدي في حماية الأطفال والمواطنين؟
المشكلة في الأسلوب
يرى عقيد /محمد شعبان رئيس مركز جمعية «أصدقاء الشرطة» في الجبل الغربي أن المشكلة ليست في الفرح بالاحتفال بالمولد وإنما في أسلوب الفرح. داعياً إلى التمييز بين المظاهر التراثية والاجتماعية التي لا تتعارض مع الدين، وبين المبالغة والإسراف والممارسات التي قد تسبب أضراراً.
وأضاف: أن استيراد الألعاب النارية يتم بصورة أساسية عبر كبار التجار وأصحاب الشركات العاملة في بيع الأدوات المكتبية باعتبار موسم المولد النبوي فرصة تجارية مربحة. مشيراً إلى عدم وجود قانون واضح يحظر استيراد هذه الألعاب. ولم يعد استخدامها مقتصراً على المولد النبوي بل امتد إلى الأعراس وحفلات التخرج. والطلب عليها أدى في النهاية إلى ارتفاع أسعارها، موضحاً أن سعر «الخط واللوح» قد يصل إلى نحو 5 دنانير للطرف فيما تبدأ أسعار بعض المفرقعات الخفيفة من دينار وتختلف الأسعار حسب نوعها ومكان بيعها وتكلفة إيجار الموقع. ويرى أن إنفاق مبالغ تصل إلى 200 دينار على ألعاب تُحرق خلال دقائق يمثل هدراً للمال خاصة عندما يعتقد ولي الأمر أن ذلك وسيلة لإدخال البهجة على أطفاله والتعبير عن فرحته بالمولد.
وفيما يخص الجانب الرقابي أوضح عقيد /محمد أن جهاز الحرس البلدي يقوم بمصادرة الألعاب النارية التي تُعرض على الأرصفة وتعرقل حركة المشاة وهو ما أسهم بحسب رأيه في تراجع ظاهرة بيعها في بعض الطرق والشوارع الرئيسة. وشدد على أن حماية المواطنين مسؤولية مشتركة بين الأجهزة الأمنية والحرس البلدي إلى جانب أهمية دور خطباء المساجد في توعية الناس بالممارسات الدخيلة والخاطئة في التعبير عن الفرح بالمولد.
محذرًا الآباء من الاستجابة لضغوط أبنائهم وشراء الألعاب النارية لهم مؤكداً أن استمرار الطلب عليها يشجع التجار على استيرادها.
آثار صحية ونفسية
وحذرت د. نعيمة النطاح المتخصصة في علم النفس من الآثار الصحية والنفسية والاجتماعية المترتبة على شراء الأطفال للألعاب النارية. وأوضحت أن احتراق هذه الألعاب يؤدي إلى انتشار الدخان والكربون ما قد يضر بالجهاز التنفسي خصوصًا لدى الأطفال الذين يعانون من حساسية الصدر، وأشارت إلى أن الخطر لا يقتصر على الجانب الصحي بل يمتد إلى الجانب السلوكي إذ أن تعود الأطفال على أصوات المفرقعات والانفجارات قد يغذي لديهم سلوكًا عدوانيًا ويجعل مشاهد القوة والعنف تبدو أمرًا طبيعيًا. وأضافت أن ليبيا عاشت خلال السنوات الماضية حروبًا وتوترات أمنية خلّفت آثارًا نفسية لدى المجتمع ومن بينها الخوف والرعب من أصوات القذائف والانفجارات. ومن المؤسف أن تتحوَّل المفرقعات خلال المولد إلى وسيلة ترفيه تعيد إلى الأذهان تلك الأصوات وتزيد من آثارها النفسية السلبية.
وطالبت د. نعيمة وزارة الثقافة بعدم ترك فراغ في مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي والعمل على تنظيم فعاليات ثقافية وتراثية وترفيهية تتماشى مع العادات والتقاليد الليبية ولا تتعارض مع تعاليم الإسلام حتى لا يُملأ هذا الفراغ بممارسات خطرة كالألعاب النارية، وإشعال النار وتشويه الشوارع.
وقال الشيخ عبد الوهاب الفوني إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يأتي تعبيرًا عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفرصة للتعرف إلى سيرته العطرة والاقتداء بأخلاقه وسنته. وأضاف: )لو كانتْ لديك نعجة وولدت خروفًا لفرحت به فما بالك بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تفضل الله به علينا وعلّمنا من خلاله الإسلام(. وانتقد الفوني استخدام الألعاب النارية خلال الاحتفالات، لما تسببه من إزعاج وتلوث مشيرًا إلى أن الأموال التي تُنفق عليها يمكن أن تُوجَّه إلى إطعام أسرة محتاجة، أو توفير الدواء لمريض، أو تُستثمر في أعمال الخير. وأكد أن ذكرى المولد النبوي ينبغي أن تكون مناسبة لدراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ثم إن فرحة الأطفال يمكن التعبير عنها بوسائل آمنة ومفيدة، متسائلًا: )ألم يكفِ ليبيا ما هي فيه؟(.
وعبرت د. فتحية البوراوي رئيس اتحاد الحرف اليدوية والصناعة التقليدية فرع طرابلس الكبرى عن وجهة نظرها في بعض العادات المصاحبة للمولد منها أكل العصيدة موضحة أنها عادة ليبية قديمة مرتبطة بالمولد ودارجة في أغلب البيوت وأصلها ليست عبادة ولا سنة ثابتة وطابعها اجتماعي خالص.
وأردفت البوراوي أن النَّاس في الماضي كانت توزعها بنية «إطعام الطعام» وحباً في النبي ﷺ فهي ليس فيها اعتقاد إنها ركن من الدين وعلقت: ما فيهاش إسراف أو منكرات وحسب اعتقادي جائزة وكذا فالمعنى الجميل فيها هو )لمة العيلة(.
وقالت خزيمة عبد الحميد حرفية في زي التراث إن الاحتفال بالمولد النبوي أصبح سمة بارزة في النسيج التراثي الليبي خصوصاً في طرابلس؛ حيث ارتبط منذ عقود بمظاهر الزوايا والطرق الصوفية والذكر والمدائح النبوية.
من ذاكرة العادات
وترجع خزيمة بذاكرتها إلى ما كان يتم من الاستعداد للمولد يبدأ قبله بأيام؛ حيث تمتلئ الأسواق بمستلزمات الموسم من الشموع والحلوى مثل: )الشكار والطروني وحلوة «بر الترك» والشامية( إلى جانب شراء «الدرابيك» والخميسات للبنات وقناديل القطران للأطفال فضلاً عن إعداد الأكلات الشعبية في البيوت وفي مقدمتها رشتة الكسكاس، والعصيدة بالزيت، أو السمن والعسل، والرب.
وتواصل خزيمة: في ليلة المولد وبعد صلاة المغرب كان أفراد الأسرة يجتمعون أمام البيت بملابس نظيفة ويشارك الأطفال في إشعال القناديل والخميسات وسط أجواء من الفرح وزغاريد النساء قبل العودة إلى البيت لتناول العشاء. ثم يتوجه الرجال إلى المساجد لإحياء الليلة بالذكر والصلاة والسلام على النبي ﷺ وأن مظاهر الاحتفال القديمة التي يرويها الأجداد أن شيوخ الزاوية الكبيرة كانوا في بعض السنوات يشترون جملاً من التبرعات قبل المولد بيوم ويُطاف به في أزقة «باب الحرية» حتى يصل إلى الزاوية ثم يُذبح لإقامة وليمة لضيوف وخدام الزاوية خلال أيام الختم.
وتحدثت صانعة الحلويات نادية مروان أن من أبرز العادات التي ارتبطت بالمولد النبوي في طرابلس ما يعرف بـ«خمرة الميلود» وهي خليط شعبي كان يُحضّر داخل بعض الزوايا ويُوزع على المشاركين في ختام موسم المولد. وأوضحت أن إعدادها كان يتم في أجواء روحانية بمشاركة شيوخ الزوايا والمريدين والمتطوعين؛ حيث تُقرأ آيات القرآن والأذكار والصلاة على النبي ﷺ أثناء عملية التحضير ثم تُعبأ في أكياس، أو علب صغيرة لتوزع في نهاية الختمة إلى جانب الشكار والحلوى والسفنز والمشروبات وتتكون «خمرة» الميلود بحسب الرواية الشعبية التي نقلها من العسل الأصلي وزيت الزيتون والحمص والكاكاوية واللوز والجلجلان والزعفران والمستكة وماء الزهر والعطر وماء الورد والتمر وقليل من الماء. وكانت المكسرات والبذور تُحمّص على نار هادئة حتى لا يتغير طعمها بينما يُعجن التمر ويُخلط مع بقية المكونات حتى تتجانس ثم تُحفظ في أوانٍ معدنية قبل تقسيمها وتوزيعها على الحاضرين مؤكدة أن «خمرة الميلود» لم تكن مجرد طعام بل كانت جزءاً من طقوس اجتماعية وروحانية ارتبطت بختم القرآن والذكر والمدائح، وكانت تُعد بتبرعات أهل الخير والميسورين.
مواسم الذكر والمدائح
من جانبها قالت السيدة لطفية محمد إن أجواء المولد في طرابلس كانت تمثل موسماً شعبياً مميزاً تتوافد خلاله المواكب من مختلف المناطق إلى ميدان الشهداء، أو تمر عبر الحارات والأزقة وسط إيقاعات ضرب الدفوف وفرحة الأطفال وزغاريد النساء فيما كان العطر وماء الزهر يُنثران على المشاركين وتتعالى الصلاة والسلام على النبي وآلة.
وأضافت ومن أشهر الزوايا التي ارتبطت بهذه المواكب:
الزاوية الكبيرة بباب الحرية، والزاوية الصغيرة بباب البحر، والزاوية القادرية، وزاوية سيدي المصري، والزاوية الكتانية، وزاوية الشيخة راضية، وغيرها.
كما كانت القصائد والمدائح النبوية جزءاً أساسياً من الاحتفال ومن بينها الأناشيد التي تتغنى بمولد الرسول ﷺ والصلاة عليه وتعبّر عن شوق النَّاس لزيارة الأماكن المقدسة، وأداء الحج والعمرة.
المشكلة ليست في الاحتفال بالمولد وإنما في الكيفية
مواكب الذكر والمدائح
كانت تنطلق من الزوايا الصوفية
«خمرة الميلود» لم تكن مجرد طعام بل كانت جزءًا من طقوس اجتماعية



