فنون

الفنان القدير ناجي عبد اللطيف : لازال المسرح ممددًا في العناية المركزة

طارق الجحاوي

في‭ ‬درنة‭ ‬الزاهرة‭ ‬لم تطفيء المأساة شعلة‭ ‬الفن،‮ ‬بل أصرّ‮ ‬مبدعوها على استعادة صوتها وألوانها‭. ‬وكان المسرح الوطني‮ ‬درنة حاضرًا في‮ ‬طليعة‮ ‬هذا البعث الثقافي‭..‬وفي‮ ‬هذا الحوار الممتد عبر عقود من الإبداع،‮ ‬نلتقي‮ ‬بأحد فرسان الخشبة،‮ ‬الفنان ناجي‮ ‬عبد اللطيف بالرحال؛ مدير سرح‮ ‬الوطني‮ ‬درنة،‮ ‬لنستقرئ معه لحظات الشجن والنهوض،‮ ‬وتاريخ الوعي‮ ‬المسرحي،‮ ‬ورؤيته الناقدة ووضع الفن اليوم‭.‬

الدمعة والبعث من جديد

يصف‭ ‬الفنان‭ ‬ناجي‭ ‬عبداللطيف‭ ‬مشاعره‭ ‬كفنان‭ ‬وإنسان‭ ‬خلال‭ ‬محنة‭ ‬‮«‬دانيال‮»‬‭ ‬وأحاسيس‭ ‬السكان‭ ‬المشتَّتة‭ ‬بين مرارة الكارثة،‭ ‬وأمل العودة‭.‬

وكيف كانت اللحظة الأولى التي‮ ‬وقــف فيها على خشبة‮ «‬المسرح الوطني‮ ‬درنة‮»‬‭ ‬بعد إعادة تأهيله وافتتاحه معلقًا‭ :‬

كانت لحظة قاسية وصعبة جدًا،‮ ‬ذهبت فيها ذاكرتي‮ ‬فوراً‮ ‬إلى أصدقاء أعزاء على قلبي‮ ‬رحلوا عنّا،‮ ‬وكانوا لا‮ ‬يتركون لنا عملاً‮ ‬مسرحياً‮ ‬إلا‮ ‬وكانوا في‮ ‬مقدمة الحاضرين‭. ‬في‮ ‬تلك اللحظة ضعفتُ‮ ‬كإنسان؛ انهرتُ‮ ‬بالبكاء تذكراً‮ ‬أصهار وأقارب وأصدقاء وكل ضحايا المدينة‭. ‬كانت وقفة شجن ووفاء لم أكن أتخيلها على الإطلاق‭.‬

كيف تنظرون إلى سرعة إعادة إعمار المسرح وتأهيله لاستقبال العروض مجدداً؟

‮ ‬ما حدث في‮ ‬درنة‮ ‬يشبه الخيال؛ فالإعمار تم في‮ ‬زمن قياسي‮ ‬وهو خيال في‮ ‬نظري‭. ‬نحن كمسرحيين‭-‬وبكل صدق‭- ‬لم تكن لنا‮ ‬يد في‮ ‬إعمار المبنى لأننا كنا تحت تأثير الصدمة والذهول،‮ ‬وما تم إنجازه في‮ ‬المسرح شيء‮ ‬يحتم علينا أن نرفع القبعة احتراماً‮ ‬وتقديراً‮ ‬لرجال الإعمار الذين أعادوا لهذا الصرح الحياة‭.‬

‮ ‬شهد المسرح مؤخراً‮ ‬ورشًا تدريبية بالتعاون مع الهيئة العربية للمسرح؛ كيف تقيمون هذا الاحتكاك الفني؟

المخاطبة تمت مع الهيئة العربية للمسرح بمساعدة رفيق دربنا الفنان محمد الصادق،‮ ‬ولم‮ ‬يتأخروا في‮ ‬إجابة طلبنا‭. ‬وجهوا إلينا الخبير الجزائري‮ ‬هارون الكيلاني،‮ ‬والأردني‮ ‬غنام‮ ‬غنام،‮ ‬وقدموا لنا خبرة السنين في‮ ‬المسرح العربي‮ ‬عبر ورشة نتج عنها عمل مسرحي‮ ‬مشوق‭.‬

شباب المسرح الوطني‮ ‬جدد،‮ ‬والكثير منهم لم‮ ‬يتعاطَ‮ ‬هذا النوع من الفن المسرحي‮ ‬من قبل،‮ ‬لكنهم استطاعوا في‮ ‬وقت قياسي‮ ‬أن‮ ‬ينجزوا ما طُلب منهم واستفادوا بشكل رائع وتقبلوا كل الملاحظات‭. ‬كنا فرحين جداً‮ ‬بهذا المنجز،‮ ‬ونأمل المزيد من الهيئة،‮ ‬فنحن نعتبر المسرح الوطني‮ ‬في‮ ‬مرحلة إعادة تأسيس لصناعة كوادر فنية نعتمد عليها مستقبلاً‭.‬

البدايات وتشكّل الوعي‮ ‬المسرحي

‮ ‬تحدث‭ ‬الفنان‭ ‬بالرحال‭ ‬عن‭ ‬خلفيات‭ ‬وبدايات‭ ‬‮ ‬تشكل‭ ‬وعيه‭ ‬المسرحي‭ ‬موضحا‭ : ‬في‮ ‬مرحلة الابتدائي‮ ‬لم أكن أستوعب تماماً‮ ‬ما‮ ‬يطرحه المسرح من قضايا إنسانية،‮ ‬لكنني‮ ‬كنت في‮ ‬حالة تركيز شديد مع كلام الأساتذة المشرفين علينا‭. ‬والتحول الحقيقي‮ ‬حدث بعد مشاهدتي‮ ‬لأول مسرحية في‮ ‬حياتي‮ ‬وهي‮ ‬‭(‬تاجر البندقية‭) ‬اخراج ابن رائد المسرح الليبي‮ ‬عبد الكريم عبد الهادي؛ حينها أيقنت أن المسرح فيه شعر وعمق وشيء أكبر مما كنت أعرفه‭.‬

‮ ‬وكيف نمت هذه الذائقة القراءة والتأسيس في‮ ‬السبعينيات؟

‮ ‬في‮ ‬بداية السبعينيات،‮ ‬كانت لفرقة التمثيل مكتبة‮ ‬غنية،‮ ‬وكنت أقرأ بكثرة وشغف أعمال شكسبير وبرنديل وموليير وغيرهم‭. ‬هذه القراءات جعلتني‮ ‬أدرك أن المسرح هو باب للأسئلة العميقة،‮ ‬وأن الصراع فيه هو آخر محاولة للوصول للحقيقة‭. ‬أدركت أن المسرح الحقيقي‮ ‬هو مسائلة الواقع،‮ ‬والاقتراب منه،‮ ‬وخلق الدهشة؛ وهذا هو جوهر الدراما‭.‬

‮ ‬ارتبطت مسيرتك بأسماء بارزة كالمخرج منصور سرقيوه والكاتب ميلاد الحصادي؛ ماذا أضافت لك هذه الرفقة؟

‮ ‬انتقلت للمسرح الوطني‮ ‬في‮ ‬الثمانينيات وكان الأستاذ منصور سرقيوه قادماً‮ ‬من المجَر،‮ ‬واستفدت منه الكثير؛ كنا نسهر حتى الصباح في‮ ‬نقاشات مسرحية لا تتوقف وكان‮ ‬يملك الكثير في‮ ‬جعبته وشكل لدي‮ ‬وعياً‮ ‬مهماً‭. ‬كذلك الأستاذ ميلاد الحصادي‮ ‬كان رفيق درب واستفدت منه جداً؛ كما‮ ‬كنت أرافقه في‮ ‬المهرجانات والاحتفالات وفي‮ ‬فترة صحيفة‮ ‬‭”‬الشلال‭”‬،‮ ‬وكان‮ ‬يشجعني‮ ‬على الكتابة ويقرأ لي‮ ‬ويشجعني‮ ‬للنشر‭. ‬هؤلاء القامات أطال الله في‮ ‬أعمارهم متّعهم بالصحة‭.‬

التجربة الركحية وتأسيس‮ ‬‭”‬درنة الزاهرة‭”‬

‮ ‬يستذكر‭ ‬الفنان‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬سيرته‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬واعمالا‭ ‬تمثل‭ ‬له‭ ‬خصوصية‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وجدانه‭ ‬‮ ‬بالقول‭ : ‬قدمت أعمالاً‮ ‬كثيرة جداً‮ ‬وربما‮ ‬يُقال إنني‮ ‬أكثر ممثل وقف على الخشبة في‮ ‬درنة ولم أنقطع إلا بتوقف الحركة المسرحية‭. ‬لكن تظل شخصية‮ ‬‭”‬قريرا‭” ‬في‮ ‬مسرحية‮ ‬‭”‬تفاحة العم قرير‭” (‬تأليف البوصيري‮ ‬عبد الله وإخراج منصور سرقيوة‭) ‬قريبة جداً‮ ‬مني؛ لأنها تعبر عن مواطن بسيط وأحلامه،‮ ‬وكانت شخصية وطنية تعكس همّ‮ ‬الوطن الذي‮ ‬يشغلني‮ ‬دائماً‭.‬

كذلك شخصية‮ ‬‭)‬الرجل‭” ‬في‮ ‬مسرحية‮ ‬‭”‬الرجال لهم رؤوس‭( ‬لمحمود دياب،‮ ‬كانت قريبة لنفسي‮ ‬لأنها تمثل الشخصية المطحونة في‮ ‬المجتمع؛ فأنا أعتبر‮ ‬نفسي‮ ‬شخصية شعبية تألمت كثيراً‮ ‬في‮ ‬واقع الحياة‭.‬

‮ ‬كيف جاءت فكرة تأسيس مهرجان‮ ‬‭(‬درنة الزاهرة‭)‬‮ ‬وإدارته؟

‮ ‬الفكرة بدأت عندما اقترح الفنان رمضان الطيرة على الأستاذ أمين بورواق فكرة إقامة المهرجان،‮ ‬وقت تحصيل على تمويل له،‮ ‬فطلب منه الاستعانة ببي‮ ‬نظرا لخبرتي‮ ‬المسرحية‭. ‬وضعت خطة دقيقة على الورق وكانت الدورة الأولى مميزة جداً‮ ‬وتوليت إدارتها في‮ ‬الدورة الأولى والثانية‮ ‬والثالثة‭. ‬بعد ذلك ابتعدت لأترك المجال للشباب‭. ‬وخلال تلك الفترة كنت مديراً‮ ‬للشؤون الإدارية والمالية بالمسرح الوطني،‮ ‬واستطعنا التوفيق بين الإدارة والتمثيل والعمل مع الفرقة بكل انسجام‭.‬

واقع المسرح والرسالة للشباب

‮ ‬يرى‭ ‬بالرحال‭ ‬أن روح الشباب طموحة لكن المسرح ما زال متعثراً‮ ‬وقابعاً‮ ‬في‮ ‬‭”‬غرفة العناية المركزة‭”‬،‮ ‬ويحتاج لمُعجزة لإنقاذه‭. ‬إنقاذ المسرح‮ ‬يتطلب إنشاء معاهد متخصصة على‮ ‬غرار ما هو موجود في‮ ‬مصر وتونس والكويت،‮ ‬والتي‮ ‬أحدثت طفرة منذ الستينيات‭. ‬اليوم‮ ‬يعمل الفنان بجهد فردي‮ ‬بسيط ودورات متعثرة،‮ ‬وقد‮ ‬يستغرق العمل على مسرحية واحدة سنوات في‮ ‬ظل‮ ‬غياب الدعم الحكومي‮ ‬للأسف‭.‬

كلمة أخيرة للشباب المسرحي‮ ‬؟

الشباب مظلومون؛ لديهم حب وشغف كبير للمسرح لكنهم‮ ‬يفتقدون للمعرفة الأكاديمية والمؤسسات التي‮ ‬تحتضنهم‭. ‬المسرح شبه منتهٍ‮ ‬ما لم نلتفت‮ ‬إلى هواياتنا ونوفر عيشة كريمة للفنان ليبدع‭. ‬أطالب الهيئة العامة للثقافة والإعلام بالاهتمام بهؤلاء الشباب وإيفادهم في‮ ‬دورات محلية‮ ‬وخارجية،‮ ‬حتى نصل بالمسرح الليبي‮ ‬إلى ما نصبو إليه جميعاً‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى