
لقد حالتْ التزاماتي المبرمجة، دون أداء واجب المشاركة في تناول الغيبة الأبدية «كما عبّرَ في أحد كتبه التاريخية» للراحل الكبير الأستاذ مفتاح السيد الشريف عندما حان رحيله مؤخرًا بعد تسعين سنة كاملة، قضى سبعين منها على الأقل في العمل العام، انطلاقًا من جمعية «عمر المختار» ووثائقها التي نشرتْ منذ مدة حاملة اسمه ومَنْ شاركه دربه مبكرًا ممن جمعهم التطوع في العمل بالتدريس الليلي لتعويض الذين حرمتهم صعوبات الحياة الدراسة في وقتها ثقة من أن الدراسة في هذه السن لن تقف عند القراءة، وإنما ستشمل ما هو أكبر مما شهدت له صحف المرحلة وقرارات السلطة ومواقف الشعب حول المصير الليبي وخيار التحرَّر الوطني، وكذلك عودته في وقت لاحق ضمن المبعدين من جامعات مصر جراء ما بدر عنهم من المواقف غير المريحة للطبقات المتبادلة على حكم مصر وصعب عليها أن تعيش تلك الكوكبة من المثقفين وسط التجمع الطلابي المصري، فبادرت بإبعادهم لولا أن مفتاح السيد آثر البداية العملية من الحكومة الاتحادية فبدأ من المطبوعات وينتهي بالاقتصاد؛ حيث المجال الأوسع لفهم ما يجري في الواقع ويخطط من سياسات فيكون الطريق نحو العمل الثقافي بنصيه الأدبي إبداعًا ونقدًا، واختيارًا يفرض تبني الالتزام ويستوجب التواصل مع جمهور القراء الذين طالما تواصل معهم في أشهر مقالاته «أضواء على الطريق» بتنوعها الجامع بين الأدب وشؤون الحياة والحوار مع نظرائه في الكتابة الذي اشتهر بينهم بوضوحه وانتباهه لأي صوت تلوح منه موهبة من المواهب، ريثما أطلتْ ستينيات القرن الماضي وبدأتْ موارد البترول تفرض مواهبها وسياساتها وأثارها الاقتصادية في حياة النَّاس لا سيما عامها الخامس والستين الذي آلتْ فيه رئاسة الحكومة إلى السيد حسين مازق بما عُرِفَ عليه من ترفّع عن ملاحقة وزرائه ووكلائهم من مرونة بشأن العمل الخارجي، فكان أن وُجِدت الفرصة في الحصة الليبية في الجامعة العربية لتُفتح نافذة أوروبا في بوابة روما، ليتجه نحو تلك العوالم فيتخذ من عمله فرصة للتفرغ وربما تفادي الاصطدام بدسائس الذين يعز عليهم أن يروا أي ممسك بناصية التعبير دون أن يسخر قلمه لمديح من اكتسب صفة الرمزية ملكا كان أو عقيدا أو نظرية لم يقترب منها سوى من اتصف بالتملق ولم يضع للتاريخ حسابا في ما تخط يداه ويتحدث صوته والانطلاق من ماضٍ اغتصب في غفلة وحرص هواة التزييف أن يضخموه لحساباتهم الخاصة، وهي في النهاية المراحل التي مضت بما لها وما عليها ومن يزعم أنه بلا خطيئة فليس له سوى الشاشات المصطفة ليدلي بما شهد وما لم يشهد ويقول كل ما لديه عن سيئات الماضي، فقط عليه أن يحذر الحاضر وما فيه من مفارقات بين مسئولي هذه الأيام، والذين من بينهم المرحوم مفتاح السيد الشريف المتقاعد الذي تشمله التسعمائة جنيه ما لم يكن له ضمان ألمانيا التي شهدت رحيله وصدور كتبه وتسجيل أحاديثه. وأخيرا فلنتبادل جميعا معشر عارفي مفتاح السيد الشريف وأقارب الدم والرأي، صادق العزاء ولنحمد ولي الحمد أن جنّبَه جلسة الأيتام على موائد اللئام، كما حدث ويحدث لكل من يلفظ أخر أنفاسه داخل حدوده.

