حين عطش الغزاة وارتوى تراب الوطن.. المركز الليبي للمحفوظات يستحضر ملاحم بئر كردمين بالقواليش
منى بن هيبة

طرابلس/ خاص «فبراير»
نظم المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية، ضمن فعاليات موسمه الثقافي، محاضرة علمية وتاريخية بارزة للباحث الأستاذ علي الهازل، تحمل عنوان: «معركة بئر كردمين بمنطقة القواليش، حين عطش الغزاة وارتوى تراب الوطن بدماء الشهداء»، في محطة جديدة لتوثيق الذاكرة الوطنية وقراءة صفحات البطولة والعزة من المقاومة الليبية احتضنت فعالياتها قاعة المجاهد بمقر المركز، وسط حضور رسمي وشعبي واسع.وشهدت المحاضرة تفاعلاً لافتًا وحضوراً رفيع المستوى تقدمه عميد بلدية القواليش، وعدد من أعيان وفعاليات المجلس البلدي، إلى جانب نخبة من المهتمين بالتاريخ والباحثين في الذاكرة الوطنية، في مشهد يعكس وفاء أبناء المنطقة لتاريخهم النضالي المجيد وإسهاماتهم الخالدة في مسيرة الدفاع عن الوطن الصمود ووعورة الميدان استهل الأستاذ علي الهازل محاضرته باستعراض مفصل لإحدى أبرز المعارك الفاصلة ضد الاحتلال الإيطالي، وهي معركة «بئر كردمين» التي جرت أطوارها في الأول من يوليو عام 1915م بمنطقة القواليش. وأشار المحاضر إلى أن المعركة دارت رحاها في بيئة جغرافية بالغة القسوة تميزت بوعورة التضاريس وصعوبة الإمداد والحركة، وهو التحدي الذي حوّله المجاهدون إلى نقطة قوة بفضل معرفتهم الدقيقة والعميقة بتفاصيل جغرافية الأرض.وأوضح الهازل أن المجاهدين بادروا بشن هجوم مباغت على القوات الإيطالية، معتمدين على أسلوب الكر والفر والمناورة السريعة، وهو ما أدى إلى إرباك صفوف القوات المهاجمة وإلحاق خسائر فادحة بها منذ الساعات الأولى للمواجهة. وعلى مدار ساعات طويلة من القتال الضروس، جسد أبناء المقاومة أعلى معايير الشجاعة والإصرار، مبارزين قوات متفوقة في العدد والعتاد بصدور عارية وإيمان مطلق بعدالة قضيتهم الشعبية وبناء الوعي الوطني
ولم تقتصر المحاضرة على السرد العسكري البحت، بل غاصت في الأبعاد النفسية والاجتماعية التي خلفتها المعركة في الذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة؛ إذ شكلت «بئر كردمين» شاهدًا حيًا على التضحيات الجسام والتمسك الراسخ بالأرض، ودليلاً قاطعًا على أن المقاومة الليبية لم تكن مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل كانت تعبيرًا عميقًا عن إرادة وطنية صلبة ورفضًا تامًا لكل أشكال الاستعمار.وفي ختام المحاضرة، أكد الأستاذ الهازل أن استحضار هذه المحطات التاريخية المضيئة لا يستهدف استرجاع الماضي فحسب، بل يمثل قراءة واعية لدروس الصمود والتضحية والانتماء، باعتبارها ركائز أساسية لتشكيل الوعي الوطني وتوريثه للأجيال القادمة.وتأتي هذه الفعالية تأكيدًا لرسالة المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية في حفظ الذاكرة الوطنية، وتسليط الضوء على بطولات المجاهدين والشهداء الذين بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل استقلال الوطن وكرامته.


