لم يعد العملُ الخيري بحاجة إلى مزيدٍ من حملات «الفزعة» بقدر حاجته إلى ثقافة تطوع مؤسسية تجعل العطاء ممارسة مستمرة، لا استجابة مؤقتة للكوارث. ففي كل فيضان، أو حرب، أو أزمة، تتسابق المبادرات الشعبية لجمع التبرعات وإغاثة المتضرَّرين، ثم تخفت تلك الجهود تدريجيًا مع انحسار الحدث، وكأنَّ الحاجة إلى الخير تنتهي بانتهاء الكارثة.
هذه الظاهرة تكشف خللاً في مفهوم «العمل التطوعي»، الذي يفترض أن يكون حاضرًا قبل الأزمة، لا بعدها فقط. فالمجتمع يحتاج إلى جمعيات فاعلة ترعى الأسر المحتاجة، وبرامج مستدامة لدعم المرضى وكبار السن، ومبادرات لتأهيل الشباب وخدمة البيئة والتعليم، بدلاً من الاكتفاء بحملات موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة.
وتتداخل في ذلك عوامل عدة، بينها ضعف التشريعات المحفزة، وتعقيد إجراءات تأسيس الجمعيات، ونقص التمويل المستدام، فضلاً عن غياب الوعي الكافي بقيمة التطوع ودوره في بناء المجتمع. كما أن «فزعة» الأزمات قد تخلق تفاوتًا في الدعم، فتصل المساعدات إلى المناطق التي يحضر صوتها إعلاميًا، بينما تبقى احتياجات أخرى خارج دائرة الاهتمام.
وفي المقابل، يمتلك الشبابُ الليبي طاقات كبيرة للعطاء، لكنها تحتاج إلى مؤسسات ومنصات تحتضنها وتدربها وتنظم جهودها.
إنّ بناء ثقافة التطوع يبدأ من المدرسة والجامعة، ويتطلب من الدولة تسهيل عمل مؤسسات المجتمع المدني، ومن القطاع الخاص دعم المبادرات، ومن الإعلام إبراز التجارب الناجحة.
فالوطن لا يُبنى بالفزعة وحدها؛ بل بعطاءٍ يومي منظم، يطفئ جذور الأزمات قبل أن تتحوَّل إلى حرائق.

