مرايا

ليست ناقصة…

فائزة العجيلي

لم‭ ‬تكن‭ ‬‮«‬غفران‮»‬‮ ‬‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬الزواج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬يأوي‭ ‬قلبها،‭ ‬وزوج‭ ‬تسند‭ ‬عليه‭ ‬رأسها‭ ‬حين‭ ‬تميل‭ ‬بها‭ ‬الدنيا‭. ‬وحين‭ ‬تزوجتْ‭ ‬‮«‬مجدي‮»‬،‭ ‬ظنتْ‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬عوّضها‭ ‬عن‭ ‬قسوة‭ ‬عاشتْ‭ ‬تفاصيلها‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أهلها،‭ ‬وأنها‭ ‬أخيرًا‭ ‬وجدتْ‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬سيكون‭ ‬سندًا‭ ‬لها‭.‬

لكنها‭ ‬اكتشفتْ‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جرحًا‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحدٌ،‭ ‬لكنه‭ ‬يُفتح‭ ‬أمامها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭: ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الزواج‭ ‬بلا‭ ‬أطفال‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬بيدها،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬قرارًا‭ ‬اتخذته،‭ ‬بل‭ ‬نصيبًا‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬تغييره‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬تتعامل‭ ‬معه‭ ‬وكأنه‭ ‬ذنب‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعتذر‭ ‬عنه‭ ‬للجميع‭.‬

كانت‭ ‬تُبالغ‭ ‬في‭ ‬إرضاء‭ ‬زوجها‭ ‬وأهله،‭ ‬وتتحمل‭ ‬فوق‭ ‬طاقتها،‭ ‬وتخشى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬تقصير‭ ‬منها‭ ‬ذريعة‭ ‬جديدة‭ ‬لمعايرتها‭.‬

في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام،‭ ‬كانت‭ ‬منشغلة‭ ‬بإعداد‭ ‬الطعام‭ ‬استعدادًا‭ ‬لعرس‭ ‬العائلة‭. ‬كانت‭ ‬متعبة‭ ‬بعدما‭ ‬قضت‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬المطبخ،‭ ‬وحين‭ ‬طلب‭ ‬منها‭ ‬‮«‬مجدي‮»‬‮ ‬‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬مساعدة‭ ‬أهله،‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الراحة‭.‬

نظر‭ ‬إليها‭ ‬وقال‭ ‬ببرود‭: ‬‭)‬شن‭ ‬بينقص‭ ‬منك؟‭ ‬ولا‭ ‬خايفة‭ ‬ع‭ ‬اللي‭ ‬في‭ ‬بطنك‭ ‬يطيح؟‭(‬

ثم‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعرف‭ ‬أنها‭ ‬ستؤلمها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬متحدثًا‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬لم‭ ‬تنجب،‭ ‬وكأنَّ‭ ‬عدم‭ ‬الإنجاب‭ ‬عيب‭ ‬يُلحق‭ ‬بالمرأة‭ ‬وحدها‭ .. ‬لم‭ ‬تجبه‭.‬

خرجت‭ ‬‮«‬غفران‮»‬‮ ‬‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬صدرها‭ ‬كلامًا‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاحتمال،‭ ‬واتجهت‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أختها‭ ‬ملاك‭.‬‭ ‬استقبلتها‭ ‬ملاك،‭ ‬وحين‭ ‬رأت‭ ‬وجهها‭ ‬قالت‭: ‬غفران‮ ‬‭ ‬شن‭ ‬فيك؟‮   ‬‭ ‬‭)‬وجهك‭ ‬مقلوب‭(‬‭.‬

انفجرت‭ ‬‮«‬غفران‮»‬‮ ‬‭ ‬بالبكاء‭: ‬‮«‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬يعايرني‮…‬‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تصير‭ ‬مشكلة‭ ‬يردها‭ ‬للصغار‮»‬‭.‬

حاولت‭ ‬ملاك‭ ‬تهدئتها،‭ ‬لكنها‭ ‬قالت‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تخشاه‭: ‬‮«‬معليش‭ ‬يا‭ ‬غفران‭ ‬،‭ ‬راجل‭ ‬خاطره‭ ‬يشوف‭ ‬صغاره‭ ‬وأربع‭ ‬سنين‭ ‬مش‭ ‬شوية‮»‬‭.‬

كانت‭ ‬الكلمات‭ ‬ثقيلة‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬‮«‬غفران‮»‬‮ ‬‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يذكرها‭ ‬بعدد‭ ‬السنوات؛‭ ‬كانت‭ ‬تحفظها‭ ‬يومًا‭ ‬بيوم،‭ ‬وتعرف‭ ‬جيدًا‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬بيتًا‭ ‬فيه‭ ‬أطفال‭ ‬وهي‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬بيتها‭ ‬خالية‭ ‬اليدين‭.‬

وقفت‭ ‬أمام‭ ‬المرآة،‭ ‬ونظرت‭ ‬طويلًا‭ ‬إلى‭ ‬وجهها‭.‬

رأت‭ ‬امرأة‭ ‬جميلة،‭ ‬متعبة،‭ ‬مكسورة‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬نفسها‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الآخرون‭ ‬يرونه‭.‬

وتساءلت‭ : ‬هل‭ ‬تصبح‭ ‬المرأة‭ ‬ناقصة‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تنجب؟

عادت‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أهل‭ ‬زوجها‭ ‬لتساعد‭ ‬في‭ ‬تجهيزات‭ ‬العرس‭. ‬وبين‭ ‬أصوات‭ ‬النساء‭ ‬وضجيج‭ ‬التحضيرات،‭ ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تخفي‭ ‬وجعها‭.‬

هناك،‭ ‬جاءت‭ ‬حماتها‭ ‬سناء‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬كلماتها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مثل‭ ‬كلمات‭ ‬الآخرين‭. ‬اقتربت‭ ‬منها‭ ‬وقالت‭: ‬‮«‬ما‭ ‬تعدليش‭ ‬عليهم‮…‬‭ ‬وخليكِ‭ ‬قوية‭. ‬إنتِ‭ ‬ما‭ ‬تستاهليش‭ ‬اللي‭ ‬يصير‭ ‬فيك‮»‬‭.‬

ثم‭ ‬أضافت‭ ‬وهي‭ ‬تحاول‭ ‬مواساتها‭: ‬‮«‬ربي‭ ‬يفرحني‭ ‬بيك‭ ‬ونشوف‭ ‬صغارك‮»‬‭.‬

انهارت‭ ‬غفران‮ ‬‭ ‬بالبكاء‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬تبكي‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬كلام‭ ‬زوجها،‭ ‬ولا‭ ‬بسبب‭ ‬السنوات‭ ‬الأربع،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬ترى‭ ‬أمامها‭ ‬امرأة‭ ‬أخرى‭ ‬تستعد‭ ‬لفرحها،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬كم‭ ‬عامًا‭ ‬آخر‭ ‬ستقضي‭ ‬وهي‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تُعامل‭ ‬بكرامة‭.‬

كانت‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬العرس‭ ‬سينتهي،‭ ‬وأن‭ ‬الزغاريد‭ ‬ستسكت،‭ ‬وأن‭ ‬النساء‭ ‬سيعدن‭ ‬إلى‭ ‬بيوتهن،‭ ‬لكن‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭ ‬سيبقى‭ ‬معها‭:‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬المرأة‭ ‬منحه،‭ ‬هو‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يقرر‭ ‬الآخرون‭ ‬على‭ ‬أساسه‭ ‬قيمتها؟

لم‭ ‬تكن‭ ‬غفران‮ ‬‭ ‬ناقصة‭.‬

كانت‭ ‬امرأة‭ ‬لم‭ ‬تُرزق‭ ‬بعد‭ ‬بنعمة‭ ‬الأمومة،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تحمل‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لسنوات،‭ ‬ومن‭ ‬الألم‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬أعمارًا‭.‬

والمرأة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬أنجبتهم،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬رجولته‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬الإنجاب‭.‬

فالزواج‭ ‬مودة‭ ‬ورحمة،‭ ‬وحين‭ ‬يتحول‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬للإهانة،‭ ‬يصبح‭ ‬الوجع‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تأخر‭ ‬طفل‭.‬

بعض‭ ‬النساء‭ ‬لا‭ ‬يحتجن‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭: ‬‮«‬متى‭ ‬ستنجبين؟‮»…‬‭ ‬بل‭ ‬يحتجن‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬لهن‭: ‬‮«‬أنتِ‭ ‬لستِ‭ ‬ناقصة‮»‬‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى