
لم تكن «غفران» تريد من الزواج أكثر من بيت يأوي قلبها، وزوج تسند عليه رأسها حين تميل بها الدنيا. وحين تزوجتْ «مجدي»، ظنتْ أن الله عوّضها عن قسوة عاشتْ تفاصيلها في بيت أهلها، وأنها أخيرًا وجدتْ الرجل الذي سيكون سندًا لها.
لكنها اكتشفتْ مع مرور السنوات أن هناك جرحًا لا يراه أحدٌ، لكنه يُفتح أمامها كل يوم: أربع سنوات من الزواج بلا أطفال.
لم يكن الأمر بيدها، ولم يكن قرارًا اتخذته، بل نصيبًا لم تستطع تغييره. ومع ذلك، بدأت تتعامل معه وكأنه ذنب يجب أن تعتذر عنه للجميع.
كانت تُبالغ في إرضاء زوجها وأهله، وتتحمل فوق طاقتها، وتخشى أن يكون أي تقصير منها ذريعة جديدة لمعايرتها.
في أحد الأيام، كانت منشغلة بإعداد الطعام استعدادًا لعرس العائلة. كانت متعبة بعدما قضت ساعات طويلة في المطبخ، وحين طلب منها «مجدي» أن تواصل مساعدة أهله، قالت إنها تحتاج إلى بعض الراحة.
نظر إليها وقال ببرود: )شن بينقص منك؟ ولا خايفة ع اللي في بطنك يطيح؟(
ثم مضى إلى الجملة التي كانت تعرف أنها ستؤلمها أكثر من غيرها، متحدثًا عن امرأة لم تنجب، وكأنَّ عدم الإنجاب عيب يُلحق بالمرأة وحدها .. لم تجبه.
خرجت «غفران» من المكان وهي تحمل في صدرها كلامًا أثقل من قدرتها على الاحتمال، واتجهت إلى بيت أختها ملاك. استقبلتها ملاك، وحين رأت وجهها قالت: غفران شن فيك؟ )وجهك مقلوب(.
انفجرت «غفران» بالبكاء: «كل لحظة يعايرني… كل ما تصير مشكلة يردها للصغار».
حاولت ملاك تهدئتها، لكنها قالت لها ما كانت تخشاه: «معليش يا غفران ، راجل خاطره يشوف صغاره وأربع سنين مش شوية».
كانت الكلمات ثقيلة.
لم تكن «غفران» بحاجة إلى من يذكرها بعدد السنوات؛ كانت تحفظها يومًا بيوم، وتعرف جيدًا ماذا يعني أن تدخل بيتًا فيه أطفال وهي تعود إلى بيتها خالية اليدين.
وقفت أمام المرآة، ونظرت طويلًا إلى وجهها.
رأت امرأة جميلة، متعبة، مكسورة من الداخل، لكنها لم تستطع أن ترى في نفسها ما كان الآخرون يرونه.
وتساءلت : هل تصبح المرأة ناقصة لأنها لم تنجب؟
عادت إلى بيت أهل زوجها لتساعد في تجهيزات العرس. وبين أصوات النساء وضجيج التحضيرات، كانت تحاول أن تخفي وجعها.
هناك، جاءت حماتها سناء.
لم تكن كلماتها هذه المرة مثل كلمات الآخرين. اقتربت منها وقالت: «ما تعدليش عليهم… وخليكِ قوية. إنتِ ما تستاهليش اللي يصير فيك».
ثم أضافت وهي تحاول مواساتها: «ربي يفرحني بيك ونشوف صغارك».
انهارت غفران بالبكاء.
لم تكن تبكي فقط بسبب كلام زوجها، ولا بسبب السنوات الأربع، بل لأنها كانت ترى أمامها امرأة أخرى تستعد لفرحها، بينما هي لا تعرف كم عامًا آخر ستقضي وهي تدافع عن حقها في أن تُعامل بكرامة.
كانت تعرف أن العرس سينتهي، وأن الزغاريد ستسكت، وأن النساء سيعدن إلى بيوتهن، لكن سؤالًا واحدًا سيبقى معها:
ماذا لو كان الشيء الوحيد الذي لا تستطيع المرأة منحه، هو الشيء الذي يقرر الآخرون على أساسه قيمتها؟
لم تكن غفران ناقصة.
كانت امرأة لم تُرزق بعد بنعمة الأمومة، لكنها كانت تحمل من الصبر ما يكفي لسنوات، ومن الألم ما يكفي أعمارًا.
والمرأة لا تُقاس بعدد الأطفال الذين أنجبتهم، كما أن الرجل لا تُقاس رجولته بقدرته على الإنجاب.
فالزواج مودة ورحمة، وحين يتحول الحرمان من نعمة إلى سلاح للإهانة، يصبح الوجع أكبر من مجرد تأخر طفل.
بعض النساء لا يحتجن إلى سؤال: «متى ستنجبين؟»… بل يحتجن فقط إلى من يقول لهن: «أنتِ لستِ ناقصة».
