
في قلب البادية الليبية، وتحديداً في المساحات الممتدة بين موج البحر وسكون الصحراء في منطقة سرت وهراوة، ترتفع بيوت الشعر كشواهد حية على عبقرية الإنسان في طوع الطبيعة. لم تكن هذه الخيام مجرد مأوى عابر لساكنيها، بل كانت بيئة اجتماعية متكاملة صيغت تفاصيلها بخيوط الصبر وقيم التكافل.
المادة والروح: فلسفة العمارة البدائية
لم تكن بيوت الأجداد تُبنى بالأسمنت والحديد، بل كانت تُنسج من روح الأرض. اعتمد سكان البادية في سرت على شعر الماعز الأسود كمادة أساسية؛ وهي مادة تحمل سراً هندسياً فريداً، فهي تتقلص عند هطول الأمطار فتغدو سداً منيعاً ضد التسرب، وتتنفس في هجير الصيف لتسمح بمرور النسيم.
تكتمل هذه اللوحة بمواد من البيئة المحلية، من أخشاب السدر والأثل التي تُنحت منها بالأعمدة (الركايز)، وحبال الليف المتينة التي تشد البيت إلى الأرض بأوتادٍ راسخة، لترسم شكلاً هندسياً انسيابياً يقاوم عواصف الشمال الرطبة ورياح الجنوب العاتية.
أناملٌ تغزل التاريخ
إذا كان الرجل هو من يجلب المادة الخام ويقوم بجهد الرفع والنصب، فإن المرأة البدوية هي المهندسة والمصممة الحقيقية. تبدأ الرحلة من عملية الحلق والنكش، ثم الغزل بمغازل خشبية تدور في صمت المهابة، وصولاً إلى المنسج (النول اليدوي).
كانت صناعة الشقاق (قطع النسيج الطولية) تستغرق شهوراً من العمل الدؤوب، ولكن اللحظة الأجمل تتجلى في التويزة؛ وهو العرف الاجتماعي الذي تجتمع فيه نساء الحي لمساعدة ربة البيت في الخياطة النهائية. في التويزة، تذوب الفوارق وتتعالى الأهازيج وغناوي العلم، ليتحول العمل الشاق إلى عرس ثقافي يعزز أواصر القربى والجوار.
هراوة: خصوصية المكان والنمط
تنفرد منطقة هراوة، بطابعها البدوي العريق، بنمط خاص في بيوت الشعر. فلقربها من الساحل ومواجهتها لتقلبات المناخ، تميزت بيوت الأجداد هناك بالمتانة المضاعفة وكبر المساحة. كانت الخيمة في هراوة تُقسم ببراعة بالرواق المزين بنقوش هندسية زاهية، حيث يُخصص صدر البيت للضيوف وعابري السبيل، في تجسيد حي لقيم الكرم والشهامة التي عُرف بها سكان المنطقة.
إرث لا يغيب
إن بيوت الشعر في بادية سرت وهراوة ليست مجرد أطلال من الماضي، بل هي مدرسة في الاستدامة والتعايش مع البيئة. هي حكاية نسيج تروي كيف استطاع الأجداد، بإمكانيات بسيطة وفطرة نقية، أن يبنوا قصوراً من الشعر، تضيق بالغرباء وتتسع للمحبين، وتبقى ذكراها خالدة في وجدان الهوية الليبية.



