التراثية

بيوت الشعر في بادية هراوة..هندسة الفطرة وذاكرة النسيج

منى بن هيبة

‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬البادية‭ ‬الليبية،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬المساحات‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬موج‭ ‬البحر‭ ‬وسكون‭ ‬الصحراء‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬سرت‭ ‬وهراوة،‭ ‬ترتفع‭ ‬بيوت‭ ‬الشعر‭ ‬كشواهد‭ ‬حية‭ ‬على‭ ‬عبقرية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬طوع‭ ‬الطبيعة‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬الخيام‭ ‬مجرد‭ ‬مأوى‭ ‬عابر‭ ‬لساكنيها،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬بيئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬متكاملة‭ ‬صيغت‭ ‬تفاصيلها‭ ‬بخيوط‭ ‬الصبر‭ ‬وقيم‭ ‬التكافل‭.‬

المادة‭ ‬والروح‭: ‬فلسفة‭ ‬العمارة‭ ‬البدائية

لم‭ ‬تكن‭ ‬بيوت‭ ‬الأجداد‭ ‬تُبنى‭ ‬بالأسمنت‭ ‬والحديد،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تُنسج‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬الأرض‭. ‬اعتمد‭ ‬سكان‭ ‬البادية‭ ‬في‭ ‬سرت‭ ‬على‭ ‬شعر‭ ‬الماعز‭ ‬الأسود‭ ‬كمادة‭ ‬أساسية؛‭ ‬وهي‭ ‬مادة‭ ‬تحمل‭ ‬سراً‭ ‬هندسياً‭ ‬فريداً،‭ ‬فهي‭ ‬تتقلص‭ ‬عند‭ ‬هطول‭ ‬الأمطار‭ ‬فتغدو‭ ‬سداً‭ ‬منيعاً‭ ‬ضد‭ ‬التسرب،‭ ‬وتتنفس‭ ‬في‭ ‬هجير‭ ‬الصيف‭ ‬لتسمح‭ ‬بمرور‭ ‬النسيم‭.‬

تكتمل‭ ‬هذه‭ ‬اللوحة‭ ‬بمواد‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬المحلية،‭ ‬من‭ ‬أخشاب‭ ‬السدر‭ ‬والأثل‭ ‬التي‭ ‬تُنحت‭ ‬منها‭ ‬بالأعمدة‭ (‬الركايز‭)‬،‭ ‬وحبال‭ ‬الليف‭ ‬المتينة‭ ‬التي‭ ‬تشد‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬بأوتادٍ‭ ‬راسخة،‭ ‬لترسم‭ ‬شكلاً‭ ‬هندسياً‭ ‬انسيابياً‭ ‬يقاوم‭ ‬عواصف‭ ‬الشمال‭ ‬الرطبة‭ ‬ورياح‭ ‬الجنوب‭ ‬العاتية‭.‬

أناملٌ‭ ‬تغزل‭ ‬التاريخ

إذا‭ ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يجلب‭ ‬المادة‭ ‬الخام‭ ‬ويقوم‭ ‬بجهد‭ ‬الرفع‭ ‬والنصب،‭ ‬فإن‭ ‬المرأة‭ ‬البدوية‭ ‬هي‭ ‬المهندسة‭ ‬والمصممة‭ ‬الحقيقية‭. ‬تبدأ‭ ‬الرحلة‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬الحلق‭ ‬والنكش،‭ ‬ثم‭ ‬الغزل‭ ‬بمغازل‭ ‬خشبية‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬المهابة،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬المنسج‭ (‬النول‭ ‬اليدوي‭).‬

كانت‭ ‬صناعة‭ ‬الشقاق‭ (‬قطع‭ ‬النسيج‭ ‬الطولية‭) ‬تستغرق‭ ‬شهوراً‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الدؤوب،‭ ‬ولكن‭ ‬اللحظة‭ ‬الأجمل‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬التويزة؛‭ ‬وهو‭ ‬العرف‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬تجتمع‭ ‬فيه‭ ‬نساء‭ ‬الحي‭ ‬لمساعدة‭ ‬ربة‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬الخياطة‭ ‬النهائية‭. ‬في‭ ‬التويزة،‭ ‬تذوب‭ ‬الفوارق‭ ‬وتتعالى‭ ‬الأهازيج‭ ‬وغناوي‭ ‬العلم،‭ ‬ليتحول‭ ‬العمل‭ ‬الشاق‭ ‬إلى‭ ‬عرس‭ ‬ثقافي‭ ‬يعزز‭ ‬أواصر‭ ‬القربى‭ ‬والجوار‭.‬

هراوة‭: ‬خصوصية‭ ‬المكان‭ ‬والنمط

تنفرد‭ ‬منطقة‭ ‬هراوة،‭ ‬بطابعها‭ ‬البدوي‭ ‬العريق،‭ ‬بنمط‭ ‬خاص‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬الشعر‭. ‬فلقربها‭ ‬من‭ ‬الساحل‭ ‬ومواجهتها‭ ‬لتقلبات‭ ‬المناخ،‭ ‬تميزت‭ ‬بيوت‭ ‬الأجداد‭ ‬هناك‭ ‬بالمتانة‭ ‬المضاعفة‭ ‬وكبر‭ ‬المساحة‭. ‬كانت‭ ‬الخيمة‭ ‬في‭ ‬هراوة‭ ‬تُقسم‭ ‬ببراعة‭ ‬بالرواق‭ ‬المزين‭ ‬بنقوش‭ ‬هندسية‭ ‬زاهية،‭ ‬حيث‭ ‬يُخصص‭ ‬صدر‭ ‬البيت‭ ‬للضيوف‭ ‬وعابري‭ ‬السبيل،‭ ‬في‭ ‬تجسيد‭ ‬حي‭ ‬لقيم‭ ‬الكرم‭ ‬والشهامة‭ ‬التي‭ ‬عُرف‭ ‬بها‭ ‬سكان‭ ‬المنطقة‭.‬

إرث‭ ‬لا‭ ‬يغيب

إن‭ ‬بيوت‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬بادية‭ ‬سرت‭ ‬وهراوة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أطلال‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ ‬الاستدامة‭ ‬والتعايش‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭. ‬هي‭ ‬حكاية‭ ‬نسيج‭ ‬تروي‭ ‬كيف‭ ‬استطاع‭ ‬الأجداد،‭ ‬بإمكانيات‭ ‬بسيطة‭ ‬وفطرة‭ ‬نقية،‭ ‬أن‭ ‬يبنوا‭ ‬قصوراً‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬تضيق‭ ‬بالغرباء‭ ‬وتتسع‭ ‬للمحبين،‭ ‬وتبقى‭ ‬ذكراها‭ ‬خالدة‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الهوية‭ ‬الليبية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى