التراثية

وشمُ الرصاص على خاصرةِ الصحراء: سيرة الشيخة غزالة التمامي..سيدة الخنادق وأمّ القبيلة

منى بن هيبة

​في‭ ‬سجلات‭ ‬الشرف‭ ‬الليبية،‭ ‬ثمة‭ ‬أسماء‭ ‬لم‭ ‬يكتبها‭ ‬الحبر،‭ ‬بل‭ ‬نقشتها‭ ‬طلقات‭ ‬البنادق‭ ‬وزغاريد‭ ‬الثبات‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الأسماء‭ ‬الساطعة،‭ ‬تبرز‭ ‬الشيخة‭ ‬غزالة‭ ‬حمد‭ ‬التمامي،‭ ‬ابنة‭ ‬هراوة‭ ‬وحرة‭ ‬أولاد‭ ‬سليمان،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬التاريخ،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬مطارقه‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬ملامح‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬المحتل‭ ‬الإيطالي‭. ‬ولدت‭ ‬غزالة‭ ‬عام‭ ‬1909،‭ ‬وترعرت‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬قبيلة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الانحناء،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬شريكة‭ ‬في‭ ‬الملاحم،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬واو‭ ‬الشهيرة‭ ‬عام‭ ‬1930،‭ ‬حيث‭ ‬اختلط‭ ‬دم‭ ‬ذويها‭ ‬بتراب‭ ‬الوطن،‭ ‬ففقدت‭ ‬فيها‭ ‬عمها‭ ‬وأبناء‭ ‬عمومتها،‭ ‬لتتحول‭ ‬من‭ ‬خلفية‭ ‬الصفوف‭ ‬التي‭ ‬تزود‭ ‬الرجال‭ ‬بالزاد،‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬المعركة‭ ‬تحمل‭ ‬بندقيتها‭ ‬وتواجه‭ ‬الموت‭ ‬بعين‭ ‬لا‭ ‬ترمش‭.‬

​لقد‭ ‬كانت‭ ‬غزالة‭ ‬نموذجاً‭ ‬للمرأة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬الرجال،‭ ‬ففي‭ ‬ذروة‭ ‬المعركة‭ ‬حين‭ ‬اختلت‭ ‬الصفوف‭ ‬واستشهد‭ ‬القادة،‭ ‬وقفت‭ ‬تحث‭ ‬الرجال‭ ‬على‭ ‬الصبر‭. ‬وحين‭ ‬شعرت‭ ‬بخطر‭ ‬يحدق‭ ‬بابنها‭ ‬السنوسي‭ ‬نادته‭ ‬بروح‭ ‬الأمومة‭ ‬أن‭ ‬ينسحب،‭ ‬فجاءها‭ ‬الرد‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬مثلاً‭ ‬في‭ ‬التضحية‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬لها‭: ‬‮«‬اللي‭ ‬شربته‭ ‬منك‭ ‬حليب‭ ‬انصبه‭ ‬دم‮»‬‭. ‬استشهد‭ ‬السنوسي‭ ‬مقبلاً‭ ‬غير‭ ‬مدبر،‭ ‬فصبرت‭ ‬واحتسبت،‭ ‬لكن‭ ‬ثقل‭ ‬الفقد‭ ‬ووطأة‭ ‬الاحتلال‭ ‬دفعاها‭ ‬للهجرة‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬قومها‭ ‬نحو‭ ‬تشاد،‭ ‬مترجلين‭ ‬عبر‭ ‬الصحاري‭ ‬القاسية،‭ ‬متسلحين‭ ‬بالإيمان‭ ‬وحده‭. ‬​في‭ ‬غياهب‭ ‬الغربة،‭ ‬كانت‭ ‬روح‭ ‬غزالة‭ ‬تعزف‭ ‬لحن‭ ‬الحنين‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الرحى،‭ ‬تطحن‭ ‬القمح‭ ‬وتطحن‭ ‬معه‭ ‬أوجاع‭ ‬الفراق،‭ ‬مرددة‭ ‬أهازيج‭ ‬تشكو‭ ‬فيها‭ ‬حالها‭ ‬لرفيقات‭ ‬المهجر،‭ ‬متضرعة‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬ألا‭ ‬يواريها‭ ‬التراب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكتحل‭ ‬عيناها‭ ‬برؤية‭ ‬تراب‭ ‬ليبيا‭ ‬مجدداً‭. ‬واستجاب‭ ‬القدر‭ ‬لدعوات‭ ‬تلك‭ ‬الحرة،‭ ‬فعادت‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الوطن‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬لتستقر‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الصامد‭. ‬تزوجت‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬عمها‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الحمر،‭ ‬ذاك‭ ‬الفارس‭ ‬الذي‭ ‬وصفته‭ ‬بكلمات‭ ‬تقطر‭ ‬فخراً‭ ‬بشجاعته‭ ‬وبياض‭ ‬سريرته،‭ ‬وبعد‭ ‬استشهاده‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬الطليان،‭ ‬تزوجت‭ ‬من‭ ‬مسعود‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ ‬التمامي‭ ‬لتهب‭ ‬للقبيلة‭ ‬خيرة‭ ‬رجالها،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الشيخ‭ ‬السنوسي‭ ‬مسعود،‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬شيخاً‭ ‬للقبيلة‭ ‬ورمزاً‭ ‬من‭ ‬رموزها‭.‬

​عاشت‭ ‬الشيخة‭ ‬غزالة‭ ‬حياة‭ ‬ملؤها‭ ‬الصمود،‭ ‬واجهت‭ ‬اليتم‭ ‬والترمل‭ ‬والغربة‭ ‬والفقر‭ ‬بكبرياء‭ ‬يليق‭ ‬بوريثة‭ ‬المجد‭. ‬وحتى‭ ‬حين‭ ‬ضاقت‭ ‬سبل‭ ‬العيش‭ ‬بزوجها‭ ‬مسعود‭ ‬واختار‭ ‬الهجرة‭ ‬ثانية،‭ ‬ظلت‭ ‬هي‭ ‬كالنخلة‭ ‬الضاربة‭ ‬جذورها‭ ‬في‭ ‬واديها،‭ ‬ترفض‭ ‬مغادرة‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬سقتها‭ ‬دماء‭ ‬أحبتها‭. ‬رحلت‭ ‬غزالة‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬لكن‭ ‬صدى‭ ‬شجاعتها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬نجوع‭ ‬الجنوب‭ ‬وقصائد‭ ‬الشعراء،‭ ‬كرمز‭ ‬للمجاهدة‭ ‬الماجدة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكسرها‭ ‬الأيام،‭ ‬وظل‭ ‬عودها‭ ‬صامداً‭ ‬كشموخ‭ ‬جبال‭ ‬ليبيا،‭ ‬تاركة‭ ‬خلفها‭ ‬سيرة‭ ‬عطرة‭ ‬تُروى‭ ‬للأجيال‭ ‬عن‭ ‬غزالة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬ترضَ‭ ‬بالقيود‭ ‬يوماً‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى