رأي

وين‭ ‬قاعد؟‭!! ‬

علي‭ ‬العزابي

هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬تؤرقني‭ ‬أحيانا‭. ‬لا‭ ‬يسألونك‭ ‬عن‭ ‬حالك‭ ‬وعن‭ ‬صحتك‭ ‬وعن‭ ‬ظروفك‭ ‬الحياتية‭ ‬ومصاعبها‭ ‬الجمة‭.. ‬لالا‭. ‬هذا‭ ‬غير‭ ‬مهم‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭. ‬ولا‭ ‬يعنيهم‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬بل‭ ‬سؤالهم‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬عملك‭. ‬وبهذه‭ ‬الصيغة‭: ‬وين‭ ‬قاعد؟‭!  ‬وماذا‭ ‬تعمل‭ ‬ومع‭ ‬من‭ ‬تعمل‭ ‬وفى‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬تشتغل؟‭! ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أجبته‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬وطبيعة‭ ‬عملك‭ ‬وعرفه‭ ‬وبذكاء‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتفطن‭ ‬إليه‭ ‬عرف‭ ‬قيمة‭ ‬مرتبك‭ ‬وكم‭ ‬تتقاضى‭ ‬ودرجتك‭ ‬الوظيفية‭.. ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬حاز‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬من‭ ‬تساؤلات‭ ‬وتيقن‭ ‬أنك‭ ‬لست‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬او‭ ‬الرقابة‭ ‬الإدارية‭ ‬أو‭ ‬ديوان‭ ‬المحاسبة‭ ‬أو‭ ‬الهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لمكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬‮«‬مؤسسات‭ ‬الوزن‭ ‬الثقيل‭.‬‮»‬‭ ‬كف‭ ‬عن‭ ‬أسئلته‭ ‬وصمت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينبس‭ ‬ببنت‭ ‬شفه‭ ‬تركك‭ ‬لوحدك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعيرك‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬وكأنه‭ ‬لم‭ ‬يرك‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ولا‭ ‬تمت‭ ‬إليه‭ ‬بصلة؟‭! ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أصابنا‭ ‬وكيف‭ ‬تغيرت‭ ‬أحوالنا‭ ‬وطباعنا‭ ‬وأصبحنا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬بمقاييس‭ ‬مادية‭ ‬صرفه‭ ‬وأصبح‭ ‬‮«‬المال‮»‬‭ ‬هو‭ ‬المبتغى‭ ‬وإليه‭ ‬الملجأ‭ ‬والمآل‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الدعاء‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬العزيز‭ ‬المتعال‭!  ‬لقد‭ ‬ازدادت‭ ‬وتفشت‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬الضيقة‭ ‬والقاصرة‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬الليبي‭ ‬وهيمنت‭ ‬على‭ ‬تعاملاتنا‭ ‬حتى‭ ‬أنها‭ ‬خلقت‭ ‬فجوة‭ ‬وهوة‭ ‬عميقة‭ ‬يصعب‭ ‬رتقها‭ ‬وردمها‭ ‬بسهولة‭!! ‬فأنت‭ ‬الآدمي‭ ‬الذي‭ ‬كرمك‭ ‬خالقك‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬صورة‭ ‬وزينك‭ ‬بالخلق‭ ‬الرفيع‭ ‬ومدك‭ ‬بالصحة‭ ‬والعافية‭. ‬هذه‭ ‬النعم‭ ‬الربانية‭ ‬عند‭ ‬أولئك‭ ‬الماديين‭ ‬النفعيين‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬الدنيوية‭ ‬لا‭ ‬تهمهم‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬يعيرونها‭ ‬اهتماما‭ ‬ولا‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬حياتهم‭ ‬مثقال‭ ‬ذرة‭! ‬لأن‭ ‬حياتهم‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الأرقام‭ ‬والأرصدة‭ ‬والمناصب‭ ‬والمشاريع‭ ‬والسفريات‭ ‬من‭ ‬بلاد‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬ومن‭ ‬عاصمة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬وكأنهم‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭ ‬زمانهم‭ ‬في‭ ‬ترحال‭ ‬دائم‭ ‬يمتعون‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لذ‭ ‬وطاب‭.! ‬لا‭ ‬يعترفون‭ ‬بالأخر‭ ‬ولا‭ ‬يرون‭ ‬إلا‭ ‬أنفسهم‭ ‬وعلى‭ ‬لسان‭ ‬حالهم‭ ‬نحن‭ ‬ومن‭ ‬بعدنا‭ ‬الطوفان‭! ‬إن‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬يا‭ ‬سادة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬يملك‭ ‬أو‭ ‬بما‭ ‬يشغل‭ ‬من‭ ‬مناصب‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬مكانة‭ ‬إنسانية‭ ‬وخُلقٍ‭ ‬رفيع‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬وعلى‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.. ‬فالمال‭ ‬يذهب‭ ‬والمناصب‭ ‬لا‭ ‬تدوم‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬للمرء‭ ‬إلا‭ ‬سيرته‭ ‬الطيبة‭ ‬وأثره‭ ‬الحسن‭.. ‬فاسألوا‭ ‬عن‭ ‬الرجل‭ ‬وأصله‭ ‬وخلقه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسألوا‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬جلوسه‭.. ‬وذلك‭ ‬هو‭ ‬الأنفع‭ ‬والأصلح‭ ‬والأكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬والأعمق‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬المجتمع‭ ‬وتعاضضه‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تقلبات‭ ‬طقس‭ ‬الحياة‭ ‬وارتداداتها‭ ‬العنيفة‭!‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى