
لم تكن الأبوابُ المغلقة في مدينة درنة تخفي هذه المرة خلافًا عائليًا عابرًا، ولا مشهدًا من تلك التفاصيل التي يفضل المجتمع عادةً أن تبقى داخل جدران المنزل. خلف أحد هذه الأبواب كانت فتاة تعيش، وفق ما أعلنته مديرية أمن درنة، احتجازًا قسريًا استمر نحو أربعة أشهر، مقيدة بالسلاسل الحديدية داخل شقة في منطقة «شيحا» الغربية، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من الوصول إليها بعد عمليات تحرٍّ استمرتْ ثلاثة أيام وبإذن من النيابة العامة.
وأفادتْ المديرية بتورط أربعة من أشقائها بمشاركة والدتها، فيما أُلقي القبض على ثلاثة منهم، ونُقلت الفتاة إلى مرفق صحي لتلقي الرعاية.
كانت الواقعة كافية لإعادة سؤال قديم إلى الواجهة، لكنه لا يزال بلا إجابة مكتملة: ماذا يحدث للمرأة عندما يصبح مصدر الخطر هو المكان الذي يفترض أن يوفر لها الأمان؟!.
القصة لم تتوقف عند تفاصيل فتاة أُخرجت من مكان احتجاز، بل فتحت نافذة على مساحة أكثر اتساعًا من الصمت؛ مساحة قد تختبئ فيها صورٌ مختلفة من العنف، والسيطرة، والإكراه، تبدأ أحيانًا بكلمة جارحة، أو تهديد، وقد تنتهي بالضرب، أو العزل، أو المنع من التواصل، وصولًا إلى الاحتجاز.
ومن هنا انطلقنا في هذا التحقيق، لا لإدانة أسرة، أو تفسير واقعة ما تزال محل إجراءات قانونية، وإنما لطرح السؤال اجتماعيًا وحقوقيًا: هل يكتشف المجتمع العنف الأسري قبل أن يتحوَّل إلى جريمة؟، ومَنْ يحمي المرأة عندما تُغلق الأبوابُ؟
العنف الذي لا يراه أحد
ترى الحقوقية انتصار القليب أن العنف داخل الأسرة من أكثر القضايا صعوبةً في الاكتشاف، لأن كثيرًا من الحالات تقع بعيدًا عن أعين الآخرين، وقد تتردّد المرأة في الإبلاغ خوفًا من التهديد، أو الضغط الأسري، أو ازدياد صعوبة حياتها.
وتؤكد أن الانتظار حتى تقع إصابة خطيرة ليس حلًا، فوجود مؤشرات مثل التهديد، أو الضرب، أو الاحتجاز أو منع المرأة من الخروج والتواصل مع الآخرين يستوجب التعامل معها بجدية وإيصالها إلى الجهات المختصة، مع أهمية أن يكون الإبلاغ آمنًا وألا تُدفع الضحية إلى مواجهة شخص عنيف بمفردها.
وتشدد القليب على ضرورة التمييز بين الخلاف الأسري وبين الاعتداء أو التهديد، أو الاحتجاز، والإكراه، معتبرة أن تدخل الدولة يجب أن يستند إلى الوقائع والقانون، لا إلى الشائعات، أو التشهير.
حين يصبح الصمت غطاءً للخطر
ترى الحقوقية زاهية المنفي أن المشكلة لا يمكن اختزالها في حوادث فردية، بل تستحق النظر إلى الأنماط الاجتماعية التي قد تجعل حماية المرأة مرتبطة أحيانًا بسلطة الأسرة.
وتلفت إلى أن السؤال المتكرر في مثل هذه الوقائع: «ماذا فعلت حتى حدث لها ذلك؟» قد يكشف مشكلة أعمق، عندما يتحول النقاش من مساءلة المعتدي إلى البحث عن أسباب تبرر ما تعرضت له الضحية.
أما حنان شلوف، ناشطة مدنية من مصراتة، فتشير إلى أن المسؤولية القانونية تبدأ عند وقوع الفعل المجرّم، بينما يمكن اجتماعيًا محاولة منع تفاقم المشكلات عبر الحوار والإرشاد والتدخل الأسري، على أن تكون الحماية القانونية متاحة عندما يقع الضرر.
الأسرة..من مساحة أمان إلى مساحة خوف
من منظور اجتماعي، ترى د.حميدة البوسيفي، عضو هيئة تدريس بجامعة طرابلس، أن العنف ضد المرأة لا ينتج عادةً عن عامل واحد، بل عن تداخل عوامل ثقافية، وأسرية، واقتصادية ونفسية، وسلوكية.
وتشير إلى أن بعض البيئات قد تنظر إلى السيطرة على المرأة باعتبارها حقًا للزوج، أو الأسرة، فتتحوَّل مفاهيم الرعاية، والحماية إلى تحكم في الدراسة والعمل والملابس والعلاقات والتواصل. وتحذر من أن بعض هذه الأفكار تبدأ منذ الطفولة عبر تنشئة تميز بين الجنسين، وترى أن التربية على الاحترام والحوار والمسؤولية أكثر قدرة على بناء أسرة مستقرة من التربية القائمة على الخوف وفرض السلطة.
«كلام النَّاس»..شريك غير معلن
لا يقف الخوف دائمًا عند حدود المعتدي؛ فقد يكون المجتمع نفسه جزءًا من دائرة الصمت. فالخوف من الطلاق أو الفضيحة أو فقدان المكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين قد يدفع بعض النساء إلى إخفاء ما يتعرضن له، فيما تتحول الضحية أحيانًا إلى موضع للمساءلة: لماذا لم تتحدث؟ ماذا فعلت؟ ولماذا لم تتحمل؟.
وتؤكد نعيمة سلامة، مدير مكتب الشؤون الاجتماعية بالزاوية، أن مواجهة الظاهرة تتطلب الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية المبكرة، عبر يقظة المجتمع وتفعيل دور الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، وتعزيز قدرة المؤسسات على اكتشاف مؤشرات الخطر قبل تفاقمها.
العنف..ظاهرة لا تُرى دائمًا
وترى عائشة بن يحمد، رئيسة قسم الخدمة الاجتماعية بمراقبة تعليم سبها، أن العنف ضد المرأة أصبح من الظواهر التي تتكرر في المجتمع، سواء في المدن أو القرى، مشيرة إلى أن الحديث عن العنف الأسري لا ينبغي أن يقتصر على المرأة، إذ يتعرض الرجال للعنف أيضًا، وإن كانت النسب والصور مختلفة، إلا أن الوصم الاجتماعي المرتبط بصورة الرجل وهيبته داخل الأسرة يجعل كثيرًا من الحالات مسكوتًا عنها.
وتعرّف بن يحمد العنف بأنه «أي سلوك يؤدي إلى إلحاق الضرر بالطرف الآخر أو إساءة استخدام السلطة»، وترى أن انتشاره يرتبط بعوامل ثقافية واجتماعية ونفسية واقتصادية، من بينها الفهم الخاطئ لمفهوم القوامة، عندما تتحول من مسؤولية ورعاية إلى سيطرة وعنف، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والنفسية والغيرة والشك وتعاطي المخدرات والكحول وتجارب العنف في الطفولة، مؤكدة أن الظروف لا تبرر الاعتداء.
كيف نكتشف ما لا تقوله المرأة؟
تلفت بن يحمد إلى أن المرأة المعنفة قد لا تستطيع الحديث عما تتعرض له، خوفًا من المعتدي أو الأسرة أو المجتمع، ولذلك يتطلب اكتشاف العنف الانتباه إلى مؤشرات مثل الكدمات المتكررة، والخوف المبالغ فيه من الزوج، والانسحاب الاجتماعي، والقلق واضطرابات النوم وتراجع الثقة بالنفس.
كما قد تظهر المؤشرات في منع المرأة من زيارة أهلها أو العمل أو استخدام هاتفها، أو ظهور الخوف والعدوانية على الأطفال، معتبرة أن هذه العلامات تستوجب التعامل معها بجدية، لا باعتبارها مجرد «مشكلات عائلية».
التدخل قبل أن يصل العنف إلى الجريمة
وتشدد بن يحمد على أهمية التدخل المبكر من الأسرة والأصدقاء والجيران والمختصين، موضحة أن الخطوة الأولى هي الاستماع إلى المرأة دون لومها، ثم مساعدتها على الوصول إلى الجهات المختصة، مع مراعاة سلامتها وعدم دفعها إلى مواجهة المعتدي بصورة قد تعرضها لخطر أكبر.
من يملك مفتاح الإنقاذ؟
القضية ليست في حماية المرأة بعد وقوع الكارثة فقط، وإنما في بناء منظومة تمنع وصولها إليها. فالجيران والأقارب، والمدرسة والمراكز الصحية، والأخصائيون الاجتماعيون، والجهات الأمنية والقضائية، جميعهم يمكن أن يكونوا حلقات في سلسلة حماية واحدة، شرط توافر قنوات آمنة للتبليغ والتعامل مع الشكاوى بجدية وسرية.
وفي الوقت نفسه، فإن معالجة العنف لا تعني تحويل كل خلاف عائلي إلى قضية أمنية، كما لا تعني التستر على الاعتداءات تحت عنوان الخصوصية. الفارق يبدأ عندما يتحول الخلاف إلى تهديد أو اعتداء أو إكراه أو احتجاز.
البيت الآمن يبدأ بالاحترام
قصة فتاة درنة، وفق ما أعلنته الجهات الأمنية، لم تعد مجرد واقعة يتناقلها الناس على منصات التواصل؛ فقد أعادت فتح ملف العلاقة بين الأسرة والحماية والقانون، وطرحت سؤالًا يتجاوز تفاصيل الحادثة: كم من امرأة قد تعيش خوفًا لا يراه أحد؟
لا يمكن معرفة حجم الحالات غير المبلّغ عنها من دون بيانات رسمية شاملة، كما لا يجوز تحويل واقعة واحدة إلى حكم على الأسر أو المجتمع كله. لكن المؤكد اجتماعيًا أن الصمت أمام مؤشرات الخطر لا يصنع أسرة مستقرة.
فالأسرة لا تُحمى بإغلاق الأبواب على المشكلات، ولا بإجبار الضحية على الصمت، وإنما بإرساء الاحترام والحوار والأمان، وبأن يعرف كل فرد فيها أن الكرامة الإنسانية ليست امتيازًا يمنحه أحد لأحد.
فحين يصبح البيت سجنًا، لا يكفي أن نبحث عن المفتاح بعد فوات الأوان.. بل علينا أن نعرف منذ البداية: من يملك حق فتح الباب لإنقاذ من بداخله؟
لا يبدأ العنف دائمًا بباب يُغلق أو بسلسلة تُقيّد جسدًا؛ فقد يبدأ بكلمة تُهين، أو تهديد يُخيف، أو سيطرة تُقدَّم باسم الحماية، ثم يتسع الصمت حتى يصبح الخطر واقعًا لا يمكن تجاهله.
وقصة فتاة درنة، بما أعلنته الجهات المختصة، تضع المجتمع أمام مسؤولية تتجاوز التعاطف مع الضحية إلى الانتباه إلى إشارات الخطر والتدخل الآمن قبل فوات الأوان.
فالبيت لا يكون آمنًا بجدرانه وأبوابه، وإنما بما يسوده من احترام وكرامة وأمان.. وحين تتحول الحماية إلى قيد، يصبح الصمت شريكًا في الجريمة.



