الاولىالرئيسية

مَنْ يدفع الثمن .. المؤسسة.. المستهلك.. الرقابة

شهد عبد الحفيظ

بين‭ ‬مؤسسةٍ‭ ‬مطالبة‭ ‬برفع‭ ‬كفاءتها،‭ ‬ومستهلكٍ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬خدمة‭ ‬تليق‭ ‬بما‭ ‬يدفعه،‭ ‬ورقابةٍ‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عينًا‭ ‬لا‭ ‬تنام،‭ ‬تتشكل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬معادلات‭ ‬السوق‭ ‬الليبي‭ ‬تعقيدًا‭: ‬مَنِ‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬اهتزاز‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك؟‭. ‬هل‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تلتزم‭ ‬بالجودة؟‭. ‬أم‭ ‬من‭ ‬رقابةٍ‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬أدوات‭ ‬الردع‭ ‬الكافية؟‭. ‬أم‭ ‬من‭ ‬مستهلكٍ‭ ‬يواصل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬لا‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجاته؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أصلًا‭ ‬بناء‭ ‬ثقة‭ ‬حقيقية‭ ‬بالإعلانات‭ ‬والشعارات،‭ ‬بينما‭ ‬التجربة‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطن‭ ‬تقول‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر؟‭.‬

تلك‭ ‬الأسئلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترفًا‭ ‬مهنيًا‭ ‬أو‭ ‬نقاشًا‭ ‬نظريًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحتْ‭ ‬مرتبطة‭ ‬مباشرة‭ ‬بحقوق‭ ‬المواطن‭ ‬وجودة‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬وخدمات،‭ ‬وبقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الليبية‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬الأداء‭ ‬والتميز‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬انطلقت‭ ‬أسئلة‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬الذي‭ ‬أُجري‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬المنتدى‭ ‬الليبي‭ ‬للتميز‭ ‬2026،‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭: )‬مؤسسات‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬ومستهلك‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة‭(‬،‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بتحديد‭ ‬المسؤول،‭ ‬وإنما‭ ‬تحاول‭ ‬تفكيك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الجودة،‭ ‬والكفاءة،‭ ‬والرقابة‭ ‬وثقة‭ ‬المستهلك‭.‬

كان‭ ‬لقاؤنا‭ ‬الأول‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬السياحة‭ ‬أ‭.‬نصر‭ ‬الدين‭ ‬ميلاد‭ ‬الفزاني،‭ ‬الذي‭ ‬رفض‭ ‬اختزال‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬نتيجة‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تضم‭ ‬المؤسسة‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬والمستهلك‭.‬

الثقة‭ .. ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بالشعارات

يرى‭ ‬الفزاني‭ ‬أن‭ ‬المؤسسة‭ ‬تتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأساسية‭ ‬عن‭ ‬جودة‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة،‭ ‬وأن‭ ‬الثقة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬مدى‭ ‬التزامها‭ ‬بالمواصفات‭ ‬والوعود‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬للمستهلك،‭ ‬وتمتد‭ ‬إلى‭ ‬النقل‭ ‬والتخزين‭ ‬والتوزيع؛‭ ‬فقد‭ ‬يخرج‭ ‬المنتج‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬بحالة‭ ‬جيدة،‭ ‬ثم‭ ‬يفقد‭ ‬جودته‭ ‬بسبب‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬المراحل‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الرقابة‭ ‬الفاعلة‭ ‬والمحاسبة‭ ‬عنصران‭ ‬أساسيان‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المستهلك،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يتحمل‭ ‬فيه‭ ‬المستهلك‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سلوكه‭ ‬في‭ ‬الاستخدام‭ ‬والتخزين‭ ‬والاستهلاك‭.‬

وعن‭ ‬الأولوية‭ ‬بين‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسة‭ ‬وبناء‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك،‭ ‬جاءت‭ ‬إجابته‭ ‬واضحة‭:‬‭ ‬الأولوية‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء‭ ‬ورفع‭ ‬الجودة،‭ ‬لأن‭ ‬الثقة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تصنعها‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلانية،‭ ‬وإنما‭ ‬التجربة‭ ‬الفعلية‭ ‬للمستهلك‭.‬

المؤسسة‭ ‬تتحمل‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬

من‭ ‬جانبه،‭ ‬يرى‭ ‬د‭.‬وائل‭ ‬الصغير،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬منظمة‭ ‬رقيب،‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسة‭ ‬وحماية‭ ‬المستهلك‭ ‬مساران‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحركا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬فالجودة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬والأنظمة‭ ‬وبرامج‭ ‬الجودة،‭ ‬ثم‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬رضا‭ ‬المستهلك‭ ‬وثقته‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬مستدامة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالاستماع‭ ‬إلى‭ ‬شكاوى‭ ‬المستهلكين،‭ ‬واحترام‭ ‬حقوقهم،‭ ‬وفتح‭ ‬قنوات‭ ‬للحوار‭ ‬معهم،‭ ‬والأهم‭ ‬الالتزام‭ ‬بالوعود‭ ‬والتعهدات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬المؤسسة‭.‬

ويضع‭ ‬الصغير‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأكبر‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وخاصة‭ ‬إداراتها‭ ‬العليا،‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تضع‭ ‬حقوق‭ ‬المستهلك‭ ‬واحتياجاته‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬أولوياتها‭. ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬يعفي‭ ‬المستهلك‭ ‬من‭ ‬المسؤولية؛‭ ‬فاستمراره‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬المنتجات‭ ‬الرديئة‭ ‬قد‭ ‬يشجع‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬لمقاطعتها‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬ضغط‭ ‬اقتصادية‭ ‬تدفعها‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬أدائها‭.‬

ويرى‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬الإعلانات‭ ‬المضللة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مستهلك‭ ‬واعٍ‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التمييز،‭ ‬وإلى‭ ‬برامج‭ ‬توعوية‭ ‬مستمرة،‭ ‬عبر‭ ‬شراكة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬ومنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والمستهلكين‭.‬

الجودة‭ ‬تسبق‭ ‬المستهلك

أما‭ ‬د‭.‬نوري‭ ‬علي‭ ‬القطاطي،‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتجارة‭ ‬لشؤون‭ ‬المناطق‭ ‬الحرة،‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬الجودة‭ ‬تسبق‭ ‬المستهلك،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬المستهلك‭ ‬يمثل‭ ‬الحلقة‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬الإمداد‭ ‬والإنتاج‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجودة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المصدر،‭ ‬مرورًا‭ ‬بالمصنع،‭ ‬أو‭ ‬الشركة،‭ ‬ومراحل‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتخزين‭ ‬والتوزيع،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬وجود‭ ‬رقابة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمواصفات‭ ‬والمعايير‭.‬

ويرى‭ ‬القطاطي‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بالجودة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬مستهلك‭ ‬رشيد‭.‬

مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬السعر‭ ‬وحده‭ ‬يمثل‭ ‬مشكلة،‭ ‬فالمنتج‭ ‬الأرخص‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬ترتب‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬جودته‭ ‬ضرر‭ ‬أو‭ ‬خسارة‭.‬

ويشدد‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬مختبرات‭ ‬وكفاءات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فحص‭ ‬المنتجات،‭ ‬وضمان‭ ‬حق‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬يشتريه،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضوح‭ ‬المكونات‭ ‬وتاريخ‭ ‬الصلاحية‭ ‬وطريقة‭ ‬الاستخدام‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬الضرورية‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬سليم‭.‬

الرقابة‭ ‬هي‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف

ويرى‭ ‬د‭. ‬مصطفى‭ ‬الأرقـط،‭ ‬مدير‭ ‬معهد‭ ‬التخطيط،‭ ‬أن‭ ‬البداية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬من‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والوحدات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬لأن‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك‭ ‬تأتي‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬لتحسين‭ ‬الأداء‭.‬

لكن‭ ‬عند‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة،‭ ‬يضع‭ ‬الأرقـط‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الأسباب،‭ ‬موضحًا‭ ‬أن‭ ‬المؤسسة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬جهة‭ ‬رقابية‭ ‬تلزمها‭ ‬بالمعايير،‭ ‬فقد‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬الالتزام‭ ‬بالجودة‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭.‬

ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجودة‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية،‭ ‬وإنما‭ ‬معايير‭ ‬صارمة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لاستمرار‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬مع‭ ‬أهمية‭ ‬وجود‭ ‬علامات‭ ‬واضحة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬مطابقة‭ ‬المنتجات‭ ‬للمواصفات،‭ ‬ووسائل‭ ‬سهلة‭ ‬للمستهلك‭ ‬لتقديم‭ ‬الشكاوى‭ ‬والمطالبة‭ ‬بحقه‭.‬

كما‭ ‬يلفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المواصفات‭ ‬والمعايير‭ ‬موجودة،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬تعريف‭ ‬المستهلك‭ ‬بها‭ ‬وتمكينه‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬حقوقه‭ ‬وما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتوافر‭ ‬في‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭.‬

وجهان‭ ‬لعملة‭ ‬واحدة

أما‭ ‬د‭. ‬سلمى‭ ‬الطيب،‭ ‬مستشارة‭ ‬بمعهد‭ ‬التخطيط‭ ‬وعضو‭ ‬هيئة‭ ‬تدريس‭ ‬بكلية‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فتتعامل‭ ‬مع‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬والثقة‭ ‬بوصفها‭ ‬علاقة‭ ‬تكاملية؛‭ ‬فالمؤسسة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬تحقيق‭ ‬تميز‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك،‭ ‬والمستهلك‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬منح‭ ‬ثقته‭ ‬لمؤسسة‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬خدمة‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭.‬

وفي‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬تحديدًا،‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الأمان‭ ‬والربحية‭ ‬والسيولة‭ ‬من‭ ‬مرتكزات‭ ‬نجاح‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بينما‭ ‬يبحث‭ ‬المستهلك‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬الأمان‭ ‬والثقة‭. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الثقة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬شهرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬الفعلية‭ ‬للمستهلك،‭ ‬فالخدمة‭ ‬الجيدة‭ ‬والشفافية‭ ‬والوضوح‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬العلاقة‭ ‬المستدامة‭.‬وتضع‭ ‬الطيب‭ ‬المسؤولية‭ ‬أولًا‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تراجع‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة،‭ ‬بينما‭ ‬تتحمل‭ ‬المؤسسة‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جودة‭ ‬خدماتها‭ ‬ووضوح‭ ‬تعاملاتها‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬المستهلك‭. ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬والشفافية‭ ‬وجعل‭ ‬العمليات‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للمتابعة‭ ‬والتدقيق‭.‬

أربعة‭ ‬أصوات‭ ‬وسؤال‭ ‬واحد

تكشف‭ ‬الإجابات‭ ‬المتباينة‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬بدا‭ ‬بسيطًا‭: ‬‮«‬من‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك؟‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬إجابة‭ ‬أحادية‭.‬

فالوزير‭ ‬يراها‭ ‬مسؤولية‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة،‭ ‬ومنظمة‭ ‬‮«‬رقيب‮»‬‭ ‬تضع‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المسؤولين‭ ‬مع‭ ‬تحميل‭ ‬المستهلك‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الدور،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أن‭ ‬الجودة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تسبق‭ ‬المستهلك‭ ‬وأن‭ ‬الرقابة‭ ‬والمستهلك‭ ‬شريكان‭ ‬في‭ ‬المسؤولية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يضع‭ ‬مدير‭ ‬معهد‭ ‬التخطيط‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬أسباب‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة،‭ ‬أما‭ ‬خبيرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬فترى‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأساسية‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬والجهات‭ ‬الرقابية‭.‬

ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬زوايا‭ ‬النظر،‭ ‬تلتقي‭ ‬الآراء‭ ‬عند‭ ‬حقيقة‭ ‬واحدة‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬ثقة‭ ‬مستدامة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جودة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رقابة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي‭.‬

مَنْ‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬غياب‭ ‬الثقة؟

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬ضعف‭ ‬الجودة‭ ‬والرقابة‭ ‬المؤسسة‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬المستهلك‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يدفعه‭ ‬السوق‭ ‬بأكمله‭. ‬فحين‭ ‬تتراجع‭ ‬الجودة،‭ ‬يخسر‭ ‬المستهلك‭ ‬ماله‭ ‬وحقه،‭ ‬وتخسر‭ ‬المؤسسة‭ ‬سمعتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة،‭ ‬ويخسر‭ ‬السوق‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الثقة،‭ ‬بينما‭ ‬تتحمل‭ ‬الدولة‭ ‬كلفة‭ ‬معالجة‭ ‬نتائج‭ ‬الخلل‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬منعه‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬شعار‭ )‬مؤسسات‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة،‭ ‬ومستهلك‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة‭( ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬عنوانًا‭ ‬لمنتدى،‭ ‬أو‭ ‬شعارًا‭ ‬لفعالية،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭ ‬للأداء‭. ‬فالطريق‭ ‬إلى‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الإعلان،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الوعود،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬الشعارات؛‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬تعرف‭ ‬مسؤوليتها،‭ ‬ورقابة‭ ‬تؤدي‭ ‬دورها،‭ ‬ومستهلك‭ ‬يعرف‭ ‬حقوقه،‭ ‬وقانون‭ ‬يُطبق‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى