
حكاية رجل يقول:
(قهرتني مرتي أم صغاري).
لم يكن يبدو كواحد من الرجال الذين اعتادوا الوقوف أمام أبواب المحاكم. كان التعب واضحًا على وجهه، والمرض أنهك ملامحه، وكأنَّ الرجل جاء إلى المكان وهو يحمل فوق كتفيه أكثر من قضية..يحمل حياة كاملة تتهاوى أمام عينيه.
ألقيتُ عليه التحية، وسألته عن سبب وجوده في المحكمة.
توقف قليلًا، ثم قال بصوت مثقل بالحسرة: )قهرتني مرتي أم صغاري(
كانت الجملة كافية لأفهم أن وراءها حكاية طويلة، لكن ما قاله بعدها كان أشد وقعًا: ثلاثون سنة .. كيف تهون؟
قال الرجل إنه عاش مع زوجته نحو ثلاثين سنة، وأن بينهما أبناء وبنات، بعضهم في سن المراهقة، وإنه لم يتخيل يومًا أن تصل حياته الزوجية إلى أبواب المحاكم.
يقول:
تزوجتها وهي صغيرة، وأنا أكبر منها بحوالي خمس عشرة سنة أو أكثر، وعطيتها عمري وتعب السنين، وما خليتُ عليها حاجة..وكنتُ نتصور أن عشرة العمر ما تهونش.
لكن، بحسب روايته، بدأتْ الصدمة عندما اكتشف ما وصفه بعلاقة عاطفية لزوجته مع رجل آخر، مؤكدًا أنه عثر على رسائل وصور قال إنه قدمها إلى القاضي ضمن ملف القضية.
لم يكن الرجل يتحدث بغضب فقط كان يتحدث بصدمة.
رجل يقول إنه لم يستوعب بعد كيف تبدلت حياته بهذه السرعة.
)إلى توا مش مستوعب الحقيقة..معقولة عشرة عمر طويلة أنا وياها عالحلوة والمرة، ثلاثين سنة، وتنتهي هكي؟(
ثم أطلق تنهيدة طويلة، قبل أن يقول:
)الله يلعن التلفون..شفت العجب، شفت حاجات مش قادر حتى نقولها(.
الهاتف في قفص الاتهام
في روايته، لم يكن الهاتف مجرد جهاز في البيت، بل كان كما يراه بداية انهيار الثقة بين الزوجين.
يقول الرجل إن سهولة التواصل، والوجود الدائم على الإنترنت، والخروج في أوقات مختلفة، كلها أمور أصبحت بالنسبة إليه مصدر شك وقلق، خصوصًا بعد ما اكتشفه من رسائل وصور، على حد قوله.
لكنه لم يكن أكثر ما يؤلمه هو ما حدث بينه وبين زوجته؛ كان يخشى على أبنائه.
)أنا عندي بنات في سن المراهقة.. خوفي كله عليهم. كيف بنخلي صغاري؟ وكيف بنضمن تربيتهم؟(.
ويضيف إنه طلب الطلاق، لكنه في الوقت نفسه يريد أن تفصل المحكمة في مسألة رعاية أبنائه، مؤكدًا أنه لا يرى أن تركهم وحدهم مع والدتهم هو الحل المناسب.
(سيبت خدمتي .. وصحتي ضاعت)
لم تتوقف آثار الأزمة عند جدران البيت
يقول الرجل: إن حياته انقلبتْ رأسًا على عقب، وإن الصدمة انعكست على عمله وصحته، وحياته اليومية.
سيبتُ خدمتي، أهملتُ صحتي وما عادش نعرف روحي..حياتي كلها تغيرت بعد ما كنا مستورين ومستقرين.
وبينما كان ينتظر ما ستقرره المحكمة بدأ واضحًا أن القضية بالنسبة إليه لم تعد مجرد دعوى طلاق، بل معركة على ما تبقى من أسرة يقول إنه قضى عمره في بنائها.
رسالة من رجل مكسور
قبل أن يغادر، عاد الرجل إلى الهاتف مرة أخرى، وكأنه يريد أن يحمّله مسؤولية ما حدث.
ثم قال:
) نبي نقول لكل راجل.. راهو التلفون والطلوع في أي وقت والغلط، لو ما فيش حدود، يقدروا يهدموا حوش كاملة(.
ثم سكت لحظة وأضاف:
)أنا رجل حطمتني مرا.. عطيتها عمري وتعبي، وما قصرتش معاها وفي النهاية لقيت روحي واقف قدام المحكمة(.
غادر الرجل المكان وبقيت حكايته معلقة بين أبواب المحكمة وذاكرة ثلاثين عامًا من العشرة.
أما الحقيقة الكاملة فتبقى أمام القضاء حيث لا تكفي الرسائل ولا الصور وحدها لصناعة الحكم ولا تكفي مرارة رجل مكسور لإدانة طرف آخر قبل أن تقول المحكمة كلمتها.
لكن المؤكد أن بيتًا عاش ثلاثة عقود قد يجد نفسه أحيانًا أمام لحظة واحدة تغيّر كل شيء..
وعندما يدخل الهاتف بين الزوجين قد لا تكون المشكلة في الهاتف نفسه..بل في الحدود التي سقطت معه.


