
علي العزابي
يُعدّ الأديب القاص المرحوم يوسف الشريف أحد روّاد القصة القصيرة في ليبيا، برائعته «الجدار» التي نُشرت لأول مرة عام 1959، ونالت جائزة الدولة للقصة القصيرة عام 1968، أي بعد تسع سنوات من ظهورها. ثم أتبعها بمجموعتيه «الأقدام العارية» و«ضمير الغائب».
وقد تقلّد الفقيد عدة مناصب ثقافية وإعلامية، من بينها رئاسة تحرير مجلة «الفصول الأربعة»، المجلة الشهيرة التي كانت زاخرة بموادها الثقافية الدسمة، وزيّن صفحاتها كبار الكتّاب من داخل الوطن وخارجه بإبداعاتهم ومساهماتهم الجادة التي أثرت المشهد الأدبي والثقافي لسنوات طويلة، إلى أن توقفت عن الصدور بعد رحلة حافلة بالعطاء والتميز.
لقد ترك الراحل إرثًا ثقافيًا وأدبيًا تفخر به الأجيال. ومن فرط عشقه للقراءة وحرصه على تشجيع الناشئة، وخاصة الأطفال، تبرّع بمكتبته الخاصة التي تُعد كنزًا ثقافيًا لا يُقدّر بثمن، وأسس مكتبته للأطفال تحت شعار «من أجل عقل حر».
وذات مساء، وتحديدًا يوم الاثنين التاسع من مايو عام 2018، استمعتُ إلى مداخلة هاتفية للراحل عبر أثير راديو «الاتحاد»، في برنامج «الفضاء الثقافي» – إن لم تخنِّي الذاكرة – تحدث فيها عن قضية الثقافة والمثقفين في ليبيا، وعن الدور الحقيقي المنوط بكل مثقف تجاه قضايا وطنه وأمته، فقال:
)الثقافة ممارسة. وللأسف، نحن لم نصل بعد إلى مستوى الممارسة الثقافية في الواقع. نحن لم نمارس الثقافة، نحن نتحدث عنها وندّعيها فقط، لكننا لم نمارسها. لماذا لم نمارسها؟ لأن الثقافة تغيير، فإذا لم تكن الثقافة تغييرًا فماذا يمكن أن تكون؟ خاصة ونحن نربط الثقافة بالوطن، لأن الثقافة تغيير نحو المستقبل(.
لقد أشار إلى أن المثقف الليبي لم يمارس الثقافة ممارسةً تُحدث تغييرًا نحو المستقبل، بل يمارسها على الورق فقط. ولذلك هو أقرب إلى أن نسميه أديبًا وليس مثقفًا. وعلينا أن نفرّق بين الأديب والمثقف. الأديب يكتب قصة، يكتب قصيدة، يكتب بحثًا، خواطر، أغنية على الورق، ثم ينتهي دوره. أما الثقافة والمثقف فهي موقف.
المثقف الذي لا يدعو إلى التغيير ليس مثقفًا. الأديب والمثقف ممتزجان، فالأدب حياة والحياة أدب. فلماذا لا يشارك المثقف هموم النَّاس الذين يكتب عنهم؟
المثقف الليبي، ولنعترف، مُدان إلى هذه اللحظة! أقول هذا الكلام وأنا متوجع، وأنا محسوب عليهم. أنا أقدّر ما قُدّم في الأدب شعرًا أو قصة أو بحثًا أو مقالًا، أقدّره كثيرًا وله قيمة عالية، لكنه ليس له علاقة بالثقافة. الثقافة ممارسة، وإذا لم تكن الثقافة ممارسة فيجب أن تُؤرشف.
الفيلسوف البريطاني كان يقود المظاهرات في بريطانيا. المثقف يتمنى التغيير لكنه لا يمارسه، لأن التغيير يحتاج إلى ثمن، يحتاج إلى ضحايا. المثقف جبان! الثقافة تغيير، والمثقف هو أداة التغيير. أنا أخجل لأنني أنتمي إلى فئة المثقفين!.



