ثقافة

كيف تقتل مدينة ..؟! التجديد الحضري.. عدم المساواة.. المحاربة من أجل الحيّ

مفتاح ميلود

‭(‬كيف‭ ‬تقتل‭ ‬مدينة‭)‬‭ .. ‬عنوان‭ ‬يثير‭ ‬الفضول‭ ‬لكتاب‭ ‬ألفه‭ ‬الكاتب‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬بيتر‭ ‬موسكوويتز‮»‬،‭ ‬نُشرتْ‭ ‬الطبعة‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬وأعيد‭ ‬نشره‭ ‬في‭ ‬طبعة‭ ‬أحدث‭ ‬عام‭ ‬2020‭ .. ‬ويتناول‭ ‬فيه‭ ‬موضوع‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬للتحسين،‭ ‬أو‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬Gentrification‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬والأحياء‭ ‬المهمشة‭ ‬والفقيرة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص،‭ ‬ويناقش‭ ‬فيه‭ ‬تطبيق‭ ‬العدالة‭ ‬الحضرية‭. ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الحضرية‭ ‬لا‭ ‬تتساوى‭ ‬فرصها‭ ‬لصالح‭ ‬الجميع‭ ‬دائمًا،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُستخدم‭ ‬أحيانًا‭ ‬لإقصاء‭ ‬المجموعات‭ ‬الفقيرة‭..‬

وينتقد‭ ‬‮«‬بيتر‮»‬‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬رأسمالية‭ ‬السوق‭ ‬والحكومات‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات،‭ ‬ويربط‭ ‬بين‭ ‬منهجية‭ ‬التخطيط‭ ‬العمراني‭ ‬والسياسة‭ ‬الاقتصادية‭..‬لذلك‭ ‬يعتبره‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬الرديء‭ ‬من‭ ‬مخططات‭ ‬‮«‬التجديد‭ ‬الحضري‮»‬‭. ‬ويستخدم‭ ‬المؤلف‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬التجديد‭ ‬الحضري‮»‬‭ ‬بحرية‭ ‬ليشمل‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬والضواحي‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬بالفائدة‭ ‬بالمقام‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬والغنية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭.‬

التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬عملية‭ ‬تحوّل

من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬المؤلف،‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري،‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬تحوّل‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تغيير‭ ‬طابع‭ ‬مناطق‭ ‬حضرية‭ ‬فقيرة‭ ‬متهاوية‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬قد‭ ‬تعرضت‭ ‬لأزمات،‭ ‬أو‭ ‬نكبات‭ ‬وكوارث؛‭ ‬وحيث‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭ ‬التي‭ ‬يسكنها‭ ‬ذوو‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود،‭ ‬والأسر‭ ‬الفقيرة‭ ‬لصالح‭ ‬أفراد‭ ‬جدد‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬والأثرياء،‭ ‬ويترتب‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬الجديدة‭ ‬نتيجة‭ ‬تحسينات‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والخدمات،‭ ‬وإعادة‭ ‬تجديد‭ ‬المباني،‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات،‭ ‬والإيجارات،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليها‭ ‬السكان‭ ‬المحليون،‭ ‬فيضطرون‭ ‬لترك‭ ‬أحيائهم‭ ‬التي‭ ‬نشأوا‭ ‬وعاشوا‭ ‬فيها،‭ ‬وعليه‭ ‬يتغيّر‭ ‬وبالتدريج‭ ‬الطابع‭ ‬الثقافي‭ ‬والنسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لتلك‭ ‬الأحياء،‭ ‬وتفقد‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬هويتها‭ ‬الأصلية،‭ ‬وتكتسب‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬وملامح‭ ‬عصرية‭ ‬تستهدف‭ ‬الطبقة‭ ‬الثرية‭ ‬وتستقطب‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭.‬

التحسين‭ ‬العمراني‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬مُمنهَجة‭ ‬ومدروسة

ويوضح‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التجديد‭ ‬والتحسين‭ ‬العمراني‭ ‬للمنطقة‭ ‬أو‭ ‬المدينة‭ ‬لا‭ ‬ينحصر‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬مقاهٍ‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬متاجر‭ ‬راقية،‭ ‬أو‭ ‬مساكن‭ ‬فاخرة‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬وغيرها،‭ ‬بل‭ ‬تأخذ‭ ‬أبعاد‭ ‬أوسع،‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬المدن‭ ‬الأمريكية‭ ‬كمساحات‭ ‬نابضة‭ ‬بالحياة‭ ‬وعادلة‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬فهي‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬مُمنهَجة‭ ‬ومدروسة،‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬وظيفة‭ ‬المدن‭ ‬من‭ ‬مساحات‭ ‬تخدم‭ ‬الفقراء‭ ‬وذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬تولّد‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬للأثرياء‭ ‬والمستثمرين‭ ‬وجذب‭ ‬فرص‭ ‬مشاريع‭ ‬الأعمال‭ ‬والشركات‭ ‬الكبرى‭.‬

وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬التجديد‭ ‬الحضري‮»‬‭ ‬بالمدن‭ ‬التي‭ ‬تدمرت،‭ ‬أو‭ ‬تفتقر‭ ‬للخدمات‭ ‬التي‭ ‬تجعلها‭ ‬مؤهلة‭ ‬للعيش‭ ‬بها،‭ ‬نتيجة‭ ‬تعرضها‭ ‬للضرر‭ ‬من‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬نتيجة‭ ‬حروب،‭ ‬أو‭ ‬إفلاس‭ ‬اقتصادي‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأسباب،‭ ‬فيتم‭ ‬تقريبًا‭ ‬إعادة‭ ‬بنائها‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬أو‭ ‬لجزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬وتحسين‭ ‬الخدمات‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬العملية‭ ‬من‭ ‬دوافع‭ ‬سياسية‭ ‬وحكومية،‭ ‬تؤدى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬هوية‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬من‭ ‬المدن،‭ ‬وحتى‭ ‬تركيبتها‭ ‬السكانية‭ ‬الطبقية‭.‬

أمثلة‭ ‬لأربع‭ ‬مدن

ويعرض‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬أمثلة‭ ‬لأربع‭ ‬مدن‭ ‬أمريكية‭ ‬شهدت‭ ‬تحولات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬عمرانها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري،‭ ‬وقدمها‭ ‬كحالات‭ ‬دراسية‭ ‬تؤيد‭ ‬وجهة‭ ‬نظره،‭ ‬دعمها‭ ‬بإجراء‭ ‬المقابلات‭ ‬وتسجيله‭ ‬للملاحظات‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الظروف‭ ‬المحلٌية‭.. ‬واستنتج‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬التكاليف‭ ‬المعيشية‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬شريحة‭ ‬الفقراء‭ ‬والطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬فاقت‭ ‬الفوائد‭ ‬المرجُوّة‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬وهي‭:‬

‭* ‬مدينة‭ ‬نيو‭ ‬اورليانز‭:‬‭ ‬تعرضت‭ ‬المدينة‭ ‬سابقاً‭ ‬لإعصار‭ ‬‮«‬كاترينا‮»‬،‭ ‬والذي‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬أضرار‭ ‬للمدينة،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬بالسلطات‭ ‬أن‭ ‬تستغل‭ ‬هذا‭ ‬الضرر‭ ‬لإعادة‭ ‬تخطيط‭ ‬وهيكلة‭ ‬المدينة،‭ ‬وتهجير‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين،‭ ‬وإحلال‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأثرياء‭ ‬والشركات‭ ‬العقارية‭ ‬محلهم‭.‬

‭* ‬ديتريوت‭:‬‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬سكانية‭ ‬وتراجع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬وتمّ‭ ‬استغلال‭ ‬وضع‭ ‬المدينة‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وإعلان‭ ‬إفلاسها‭ ‬لبيع‭ ‬أراضيها‭ ‬ومبانيها‭ ‬بأسعار‭ ‬زهيدة‭ ‬للشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬لاحتياجات‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭.‬

‭* ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭:‬‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬طفرة‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬بأسعار‭ ‬الإيجارات،‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬طرد‭ ‬العائلات‭ ‬المقيمة‭ ‬هناك‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التكاليف‭ ‬العالية‭.‬

‭* ‬نيويورك‭:‬‭ ‬وكيف‭ ‬تحولت‭ ‬منطقة‭ ‬حي‭ ‬قديم‭ ‬بهذه‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬حضرية‭ ‬للأثرياء،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بمقدور‭ ‬الطبقة‭ ‬البسيطة‭ ‬العودة‭ ‬إليها‭.‬

ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬المؤلف،‭ ‬هناك‭ ‬أربع‭ ‬مراحل‭ (‬لقتل‭ ‬المدينة‭) ‬وهي‭: ‬

‭- ‬الإهمال‭ ‬الحكومي‭ ‬المُتعمَّد‭:‬‭ ‬حيث‭ ‬تتوقف‭ ‬الحكومة‭ ‬عن‭ ‬تمويل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬بالأحياء‭ ‬الفقيرة‭ ‬سعياً‭ ‬لخفض‭ ‬قيمتها‭ ‬السُوقية،‭ ‬وانتقال‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬فئات‭ ‬معينة‭ )‬من‭ ‬فنانين،‭ ‬مثقفين‭ ‬أو‭ ‬شباب‭ ‬ذوي‭ ‬طموحات‭ ‬واسعة،‭ ‬ومشاهير‭ ‬وغيرهم‭( ‬لشراء‭ ‬عقارات‭ ‬أو‭ ‬لإيجارات‭ ‬زهيدة‭ ‬الثمن‭.‬

‭- ‬المضاربة‭ ‬العقارية‭:‬‭ ‬بعد‭ ‬انخفاض‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬لتلك‭ ‬المناطق‭ ‬تبدأ‭ ‬الشركات‭ ‬والمستثمرون‭ ‬وأعداد‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الفئات‭ ‬بالتوافد‭ ‬وشراء‭ ‬العقارات‭ ‬بتلك‭ ‬المناطق‭ ‬ويبدأ‭ ‬الحي‭ ‬أو‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬اكتساب‭ ‬سمعة‭ ‬‮«‬حي‭ ‬عصري‮»‬‭.‬

3-‭ ‬الدعاية‭ ‬والتسويق‭ ‬الثقافي‭:‬‭ ‬والذي‭ ‬يؤدى‭ ‬إلى‭ ‬استقطاب‭ ‬وجذب‭ ‬فئة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬والمثقفين‭ ‬والفنانين،‭ ‬لتتحول‭ ‬المنطقة‭ ‬وتلك‭ ‬الاحياء‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬مواكبة‭ ‬للحداثة‭ ‬والتطور،‭ ‬وجاذبة‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬بدخول‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬والمطوّرين‭ ‬العقاريين‭ ‬لتوفر‭ ‬فرص‭ ‬الربح‭ ‬أمامهم‭.‬

‭- ‬التهجير‭ ‬النهائي‭:‬‭ ‬وهي‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تُجبر‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬من‭ ‬الفقراء‭ ‬وذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬وأصحاب‭ ‬المحلات‭ ‬القديمة‭ ‬على‭ ‬مغادرة‭ ‬مناطقهم‭ ‬لعجزهم‭ ‬أمام‭ ‬الأسعار‭ ‬العالية‭ ‬للضرائب‭ ‬والخدمات‭ ‬والإيجارات‭.‬

مجموعة‭ ‬حلول

ويقترح‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬للتصدي‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬المُدمِّر‭ ‬لخطط‭ ‬‮«‬التجديد‭ ‬الحضري‮»‬‭ ‬وتشمل‭:‬‭ _* ‬فرض‭ ‬رقابة‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الإيجارات‭ ‬وحماية‭ ‬الإسكان‭ ‬العام‭.‬

‭* ‬رفع‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬للأجور‭ ‬وزيادة‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬العقارية‭ ‬العملاقة‭.‬

‭* ‬منح‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلٌية‭ ‬صوتًا‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬وقوة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتخطيط‭ ‬العمراني‭.‬

ظاهرة‭ ‬التجديد‭ ‬المدن‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬ويلفها‭ ‬الغموض

ويكشف‭ ‬الكتاب‭ ‬عن‭ ‬القوى‭ ‬النظامية‭ ‬الهائلة‭ ‬وراء‭ ‬‮«‬التجديد‭ ‬الحضري‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأربع‭ ‬مدن‭ ‬موضع‭ ‬الدراسة،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭..‬وبالنسبة‭ ‬للمؤلف‭ ‬فإن‭ ‬ظاهرة‭ ‬التجديد،‭ ‬أو‭ ‬التحسين‭ ‬الحضري‭ ‬بالمدن‭ ‬الأمريكية‭ ‬مثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬ويلفها‭ ‬الغموض،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بتغيير‭ ‬الأحياء‭ ‬والضواحي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬عنيف‭ ‬يراه‭ ‬متجذراً‭ ‬في‭ ‬القمع‭ ‬والاستعمار‭.. ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يبدأ‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬بالبناء‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬تجديد‭ ‬المباني‭ ‬القديمة،‭ ‬مما‭ ‬يؤدى‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬وافدين‭ ‬جدد‭ ‬من‭ ‬الأثرياء‭ ‬ممن‭ ‬لهم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬عقارات‭ ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬إيجارات‭ ‬مرتفعة‭ ‬السعر‭ ‬للسكن‭ ‬هناك،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يغادر‭ ‬فيه‭ ‬السكان‭ ‬القدامى‭ ‬والحاليين‭ ‬وأغلبهم‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود،‭ ‬مساكنهم‭ ‬وأحيائهم،‭ ‬لعجزهم‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬التكاليف‭ ‬والأسعار‭ ‬العالية‭.. ‬ومع‭ ‬ما‭ ‬ينتح‭ ‬عن‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬من‭ ‬إيجابيات‭ ‬من‭ ‬تحسين‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬وخدمات‭ ‬راقية‭ ‬ودخول‭ ‬شركات‭ ‬متعددة‭ ‬وانخفاض‭ ‬معدل‭ ‬الجريمة‭ ‬وغيرها،‭ ‬تتزايد‭ ‬أعداد‭ ‬الوافدين‭ ‬الأثرياء‭ ‬ويرتفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السكن‭ ‬والخدمات‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬مما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬العقارات‭ ‬والايجارات‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭.. ‬وعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬يسبب‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تغير‭ ‬طابع‭ ‬الحي‭ ‬أو‭ ‬المنطقة‭ ‬نتيجة‭ ‬تغير‭ ‬نوعية‭ ‬السكان‭..‬

ويتساءل‭ ‬المؤلف‭ ‬‮«‬بيتر‭ ‬موسكوويتز‮»‬‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المتاجر‭ ‬راقية‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬بتلك‭ ‬المنطقة‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬تكاليف‭ ‬التسوق‭ ‬بحيّهم؟

التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬لإرث‭ ‬استعماري

ومن‭ ‬هنا‭ ‬فحسب‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬التجديد‭ ‬الحضري‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬طابع‭ ‬الحىّ‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتعلق‭ ‬أيضاً‭ ‬بعمليات‭ ‬الإخلاء‭ ‬الجماعي‭ ‬والعنف‭ ‬ومحو‭ ‬الثقافات‭ ‬الراسخة،‭ ‬ويرى‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬غيره‭ ‬ولا‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬متشابك‭ ‬مع‭ ‬الحقائق‭ ‬التاريخية‭ ‬الحديثة‭ ‬والقديمة،‭ ‬ويذهب‭ ‬بيتر‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬إلى‭ ‬افتراضه‭ ‬أن‭ ‬جوهر‭ ‬المدن‭ ‬الأمريكية‭ ‬الآن‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬وخصخصتها‭ ‬لتحقيق‭ ‬الربح،‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬التجديد‭ ‬الحضري‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬لإرث‭ ‬استعماري‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بأشكال‭ ‬متطوّرة‭ ‬ومُدمِّرة‭.. ‬وعلى‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬فهو‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬حضري‭ ‬مناهض‭ ‬بشكل‭ ‬صريح‭ ‬للرأسمالية،‭ ‬ويقدم‭ ‬رؤية‭ ‬لمستقبل‭ ‬حضري‭ ‬أكثر‭ ‬عدلاً‭ ‬تتطور‭ ‬فيه‭ ‬المدن‭ ‬بشكل‭ ‬عادل‭. ‬والكتاب‭ ‬يمثل‭ ‬صرخة‭ ‬تحذيرية‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬التحسين‭ ‬الحضري،‭ ‬ودعوة‭ ‬واضحة‭ ‬يوجهها‭ ‬المؤلف‭ ‬‮«‬موسكوويتز‮»‬‭ ‬لإنقاذ‭ ‬مدن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبلها‭ ‬وانتماء‭ ‬سكانها‭ ‬لها،‭ ‬وجعلها‭ ‬مكاناً‭ ‬صالحاً‭ ‬للعيش‭ ‬للجميع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى