لماذا عجزنا عن إنجاب مؤرخ وجداني لأوجاعنا؟ حين نتأمل التجربة الخالدة لكاتب بحجم أسامة أنور عكاشة، الذي استطاع أن يحوَّل الدراما التلفزيونية إلى ملحمة شعبية، وفلسفية، وسياسية تفكك تحولات المجتمع والشارع المصري، يبرز السؤال الماثل والموجع في المشهد الليبي: لماذا لا يوجد لدينا كاتب يمتلك هذا المشروع الفكري الجارف ليؤرخ وجداننا؟
الإجابة لا تتعلق أبدًا بنقص المواهب، أو غياب المادة الخام والوعي العميق؛ فالبيئة الليبية تزخر بالأقلام والمبدعين، والنقاد، والروائيين القادرين على الحفر في الذاكرة.
غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في تراكمات بنيوية ومؤسسية غابت طويلاً، وعلى رأسها انعدام صناعة درامية حقيقية ومستدامة تؤمن بأنّ الدراما قوة ناعمة استراتيجية، لا مجرد اجتهادات فردية موسمية مرتبطة بشهر رمضان ومحكومة بتمويل متقلب.
إلى جانب ذلك، طالما عانى المشهدُ من قطيعة بين النخبة الثقافية المشتغلة بالأدب والفكر وبين أروقة الإنتاج التلفزيوني، فضلاً عن غياب حاضنة إنتاجية مستقلة تمنح الكاتب حرية الغوص في تعقيدات الوجدان الاجتماعي، والسياسي دون خوف أو استسهال.



