رأي

أوقفوا العبث بضوابط الاستيراد!

بقلم : عثمان القاجيجي

فوضى‭ ‬الأسواق‭.. ‬

تُمثل‭ ‬الضوابط‭ ‬العامة‭ ‬للاستيراد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬بصفة‭ ‬عامة‮»‬‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لحماية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وتنظيم‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭. ‬فهذه‭ ‬المعايير‭ ‬وُجدت‭ ‬لتكون‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬يضمن‭ ‬جودة‭ ‬السلع‭ ‬المُتدفقة،‭ ‬ويحمي‭ ‬مُقدرات‭ ‬الدولة‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬الاستنزاف‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬وتوفير‭ ‬احتياجات‭ ‬المواطن‭ ‬وفق‭ ‬الأسعار‭ ‬الدولية،‭ ‬ولمنع‭ ‬تحول‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للاجتهادات‭ ‬العشوائية‭ ‬التي‭ ‬تستغل‭ ‬حاجة‭ ‬المواطن‭ ‬اليومية،‭ ‬واستيراد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يلزم‭.‬‮ ‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬معمولاً‭ ‬بها‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تتسم‭ ‬بتسلسل‭ ‬تنظيمي‭ ‬دقيق‭ ‬يبدأ‭ ‬بخُطوات‭ ‬واضحة‭ ‬ومُحكمة‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬العملية‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬استخراج‭ ‬‮«‬رخصة‭ ‬استيراد‮»‬‭ ‬تُبين‭ ‬بالتفصيل‭ ‬نوع‭ ‬المواد،‭ ‬ومواصفاتها،‭ ‬وعددها،‭ ‬وسعرها،‭ ‬وبلد‭ ‬المنشأ،‭ ‬ليتم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬فتح‭ ‬اعتماد‭ ‬مستندي‭ ‬من‭ ‬المصرف،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬يشترط‭ ‬بدوره‭ ‬خضوع‭ ‬الشُحنات‭ ‬للتفتيش‭ ‬المُسبق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬جهة‭ ‬محايدة‭ ‬لضمان‭ ‬الشفافية‭ ‬والالتزام‭ ‬بالمواصفات‭.‬

وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬الرقابية‭ ‬تكتمل‭ ‬وتتجلى‭ ‬أهميتها‭ ‬عند‭ ‬وصول‭ ‬البضائع‭ ‬إلى‭ ‬المَنافذ‭ ‬البحرية‭ ‬والبرية؛‭ ‬حيث‭ ‬تتولى‭ ‬سلطات‭ ‬الجمرك‭ ‬الليبي‭ ‬مسؤولية‭ ‬الفحص‭ ‬الدقيق‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬يتم‭ ‬التأكد‭ ‬الفعلي‭ ‬من‭ ‬مطابقة‭ ‬المواصفات‭ ‬الفنية‭ ‬للسلع‭ ‬المستوردة،‭ ‬ومراجعة‭ ‬العدد‭ ‬والكميات‭ ‬الواردة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالوثائق‭ ‬الرسمية،‭ ‬وتحصيل‭ ‬قيمة‭ ‬الجمرك‭ ‬وفق‭ ‬التشريعات‭ ‬النافذة،‭ ‬لقطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬محاولات‭ ‬للتلاعب‭ ‬أو‭ ‬التهريب‭ ‬أو‭ ‬التوريد‭ ‬الوهمي‭.‬‮ ‬

ولا‭ ‬ينتهي‭ ‬مسار‭ ‬الرقابة‭ ‬عند‭ ‬خروج‭ ‬السلع‭ ‬من‭ ‬الجمرك،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يستوجب‭ ‬الرجوع‭ ‬المباشر‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بغرض‭ ‬تقييم‭ ‬‮«‬التكلفة‭ ‬الحقيقية‮»‬‭ ‬و‮»‬تحديد‭ ‬سعر‭ ‬البيع‮»‬‭ ‬العادل‭ ‬للمُستهلك‭ ‬سواء‭ ‬بالجُملة‭ ‬أو‭ ‬القطاعي‭. ‬ليتولى‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬جهاز‭ ‬الحرس‭ ‬البلدي‮»‬‭ ‬مهامه‭ ‬الميدانية‭ ‬الصارمة‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬المَحال‭ ‬التجارية،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬الالتزام‭ ‬التام‭ ‬بالسعر‭ ‬المُتاح‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬مضاربات‭ ‬تضر‭ ‬بالمواطن‭.‬

لكن‭ ‬بكل‭ ‬أسف،‭ ‬نرى‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬والضوابط‭ ‬المؤسسية‭ ‬المتسلسلة‭ ‬يتم‭ ‬التغاضي‭ ‬عنها‭ ‬وتجاوزها‭ ‬بشكل‭ ‬يثير‭ ‬الاستغراب‭ ‬والقَلق‭. ‬لقد‭ ‬أفرز‭ ‬هذا‭ ‬التجاهل‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانفلات‭ ‬السِعري‭ ‬وغياباً‭ ‬تاماً‭ ‬للموثوقية،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬الجهات‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنفيذية‭ ‬والرقابية‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬وطنية‭ ‬تحتم‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬تفعيل‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬الرقابية‭ ‬المُتكاملة،‭ ‬حمايةً‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وصوناً‭ ‬لكرامة‭ ‬وقوت‭ ‬الليبيين‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى