
فوضى الأسواق..
تُمثل الضوابط العامة للاستيراد في أي دولة «بصفة عامة» الركيزة الأساسية لحماية الاقتصاد الوطني وتنظيم الأسواق المحلية. فهذه المعايير وُجدت لتكون صمام أمان يضمن جودة السلع المُتدفقة، ويحمي مُقدرات الدولة المالية من الاستنزاف من العملة الصعبة، وتوفير احتياجات المواطن وفق الأسعار الدولية، ولمنع تحول الأسواق إلى ساحة مفتوحة للاجتهادات العشوائية التي تستغل حاجة المواطن اليومية، واستيراد ما لا يلزم.
وبالنظر إلى الإجراءات التي كانت معمولاً بها سابقاً في ليبيا، نجد أنها كانت تتسم بتسلسل تنظيمي دقيق يبدأ بخُطوات واضحة ومُحكمة. فقد كانت العملية تنطلق من استخراج «رخصة استيراد» تُبين بالتفصيل نوع المواد، ومواصفاتها، وعددها، وسعرها، وبلد المنشأ، ليتم بعد ذلك فتح اعتماد مستندي من المصرف، والذي كان يشترط بدوره خضوع الشُحنات للتفتيش المُسبق من قبل جهة محايدة لضمان الشفافية والالتزام بالمواصفات.
وكانت هذه الدورة الرقابية تكتمل وتتجلى أهميتها عند وصول البضائع إلى المَنافذ البحرية والبرية؛ حيث تتولى سلطات الجمرك الليبي مسؤولية الفحص الدقيق. وفي هذه المرحلة، يتم التأكد الفعلي من مطابقة المواصفات الفنية للسلع المستوردة، ومراجعة العدد والكميات الواردة مقارنة بالوثائق الرسمية، وتحصيل قيمة الجمرك وفق التشريعات النافذة، لقطع الطريق أمام أي محاولات للتلاعب أو التهريب أو التوريد الوهمي.
ولا ينتهي مسار الرقابة عند خروج السلع من الجمرك، بل كان يستوجب الرجوع المباشر إلى وزارة الاقتصاد بغرض تقييم «التكلفة الحقيقية» و»تحديد سعر البيع» العادل للمُستهلك سواء بالجُملة أو القطاعي. ليتولى بعد ذلك «جهاز الحرس البلدي» مهامه الميدانية الصارمة في متابعة المَحال التجارية، والتأكد من الالتزام التام بالسعر المُتاح في السوق ومنع أي مضاربات تضر بالمواطن.
لكن بكل أسف، نرى اليوم أن كل هذه الإجراءات والضوابط المؤسسية المتسلسلة يتم التغاضي عنها وتجاوزها بشكل يثير الاستغراب والقَلق. لقد أفرز هذا التجاهل حالة من الانفلات السِعري وغياباً تاماً للموثوقية، مما يضع الجهات التشريعية والتنفيذية والرقابية أمام مسؤولية وطنية تحتم عليها «إعادة تفعيل» هذه المنظومة الرقابية المُتكاملة، حمايةً للاقتصاد الوطني وصوناً لكرامة وقوت الليبيين.



