
إلى كل من تطاول على ليبيا واستخفّ بشعبها وظنّ أن بإمكانه النيل من كرامتها بكلمة أو تصريح أو اتفاقية تُفرض من وراء ظهر إرادتها الوطنية لأن ليبيا ليست دولةً طارئة على التاريخ ولا شعبًا وُلد بالأمس ولا وطنًا ينتظر شهادة حسن سلوك من أحد!
نقولها بوضوح لكل من جعل مباراة كرة القدم مناسبةً للإساءة إلى الليبيين وإلى كل من حوّل الخلافات السياسية والاتفاقيات إلى فرصة للتطاول على شعب بأكمله وإلى من يظن أن النفوذ والقوة والضجيج الإعلامي تمنحه الحق في التقليل من شأن ليبيا والى كل من تتحدثون عن ليبيا وكأنها أرض بلا تاريخ .. تذكّروا أن هذه البلاد تحمل إرث حضارات ضاربة في أعماق الزمن من لبدة الكبرى إلى شحات ومن صبراتة إلى غدامس ومن عمق الصحراء إلى شواطئ المتوسط . ليبيا أرض وبلد صنعتها قرون من الحضارة وصقلتها المحن وحفظت في ذاكرتها معاني الأصالة والكرامة والاعتزاز بالهوية . ليبيا ياشذاذ الافاق ليست مساحةً على الخريطة وليست رقمًا في حسابات المصالح الدولية وليست ورقةً يساوم عليها السياسيون . ليبيا وطن وسيادة وذاكرة وإرادة شعب.
ومن يعجز عن احترام شعب بسبب مباراة فقد كشف عن فقرٍ في الروح قبل أن يكشف عن تعصّب في التشجيع لا بطولة في شتم الشعوب ولا رجولة في تحويل الملاعب إلى منابر للكراهية ولا قيمة لانتصارٍ يُحتفل به على حساب كرامة الآخرين.
ومن يتعامل مع ليبيا بمنطق الإملاءات والصفقات ويظن أن إرادة الليبيين يمكن تجاوزها بتصريح أو اتفاقية أو تفاهمات تُبرم بعيدًا عن رقابة الشعب ومؤسساته الشرعية فنقول له إن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الاستعلاء بل على الاحترام المتبادل ولا تستقيم بالإملاء بل بالشراكة المتكافئة.
أمريكا دولة لها مصالحها وليبيا دولة لها سيادتها ولا يجوز أن تتحول مصالح أي دولة إلى وصاية على القرار الليبي.
ونحن شعب ليبيا لا نطالب بكره الشعوب ولا بإنكار حق الدول في الدفاع عن مصالحها لكننا لسنا مستعدين لقبول ازدواجية المعايير أو التعامل مع ليبيا باعتبارها الطرف الذي عليه أن يقبل دائمًا ويصمت دائمًا ويتنازل دائمًا . فمن حق الليبيين أن يسألوا عن كل اتفاقية تمس أرضهم أو سيادتهم أو مستقبلهم ومن حقهم أن يطالبوا بكشف تفاصيلها ومراجعة قانونيتها ومعرفة من وافق عليها ولصالح من وتحت أي شروط.
ومن هنا فإن على الساسة الليبيين أن يدركوا أن الصمت أمام الإهانة ليس حكمة وأن الغموض في القضايا السيادية ليس سياسة ناجحة وأن كرامة الوطن ليست ملفًا مؤجلًا إلى حين انتهاء الصراعات الداخلية . ولابد من موقف وطني واضح ومساءلة شفافة ودبلوماسية تعرف كيف تدافع عن مصالح ليبيا دون ارتباك أو خضوع.
فتصريحات ترامب التي مسّت السيادة الليبية لا يغفرها الاعتذار وعلى الساسة فى الدولة الليبية أن يطلبوا توضيحات رسمية وأن تستدعي السفير الأمريكي وأن تحتج دبلوماسيًا وأن تراجع الاتفاقيات ذات الصلة وصولًا إلى اتخاذ إجراءات أشد بما فيها إنهاء العلاقات الدبلوماسية إذا اقتضت الأدلة والمصلحة الوطنية ذلك. فالدول المحترمة لا تتنازل عن حقوقها لكنها أيضًا لا تتخذ قراراتها المصيرية بدافع الغضب وحده بل بالوعي والقانون والحسابات الدقيقة.
نريد من المسؤول الليبي أن يكون لسان شعبه لا صدى لمواقف الآخرين وأن يكون حارسًا للسيادة لا شاهدًا على تآكلها وأن يفهم أن التاريخ لن يسأل عمّا قاله الآخرون عن ليبيا فحسب بل سيسأل أيضًا ماذا فعلتم حين مُسّت كرامة وطنكم؟
وإلى كل من يراهن على انقسام الليبيين نقول .. قد تختلف المواقف وتتباين الآراء وتتصارع القوى السياسية لكن ليبيا ليست ملكًا لحكومة عابرة ولا لقبيلة واحدة ولا لتيار سياسي ولا لشخص مهما علا شأنه . ليبيا ملك لأبنائها جميعًا وسيادتها حق للأجيال القادمة وليست إرثًا يوزّع في الغرف المغلقة.
يأكل شباب وشعب ليبيا إن الرد الحقيقي على من يستهين بكم ليس في الشتائم المتبادلة ولا في العنصرية ولا في كراهية الشعوب بل في وحدة الصف وبناء الدولة وفرض احترام القانون وصناعة قرار وطني مستقل لا يُشترى ولا يُملى عليه . فالدول تُقاس بقدرتها على حماية حقوق مواطنيها وشعوبها تُقاس بوعيها وكرامتها تُصان حين تعرف كيف تحوّل الغضب إلى موقف، والموقف إلى فعل، والفعل إلى قوة.
لسنا أقل من أحد ولسنا بحاجة إلى إهانة شعب كي نثبت عظمة شعبنا . لنا تاريخنا الذي نعتز به وهويتنا التي نحميها وأرضنا التي لا نفرّط في حقوقنا عليها ومستقبلنا الذي لا نقبل أن يُقرَّر نيابةً عنا.
ليبيا ليست لقمة سائغة والشعب الليبي ليس شعبًا بلا صوت والسيادة الليبية ليست بندًا هامشيًا في اتفاقية . فليسمعها كل من تطاول وليفهمها كل من يراهن على صمت الليبيين:
من أراد علاقةً مع ليبيا فطريقه الاحترام . ومن أراد شراكةً معها فعليه الاعتراف بندّيتها . ومن أراد التعامل مع شعبها فعليه أن يدرك أن كرامة الليبيين ليست موضوعًا للمساومة وأن إرادتهم ليست تفويضًا مفتوحًا لأحد.
عاشت ليبيا حرةً مستقلةً عزيزةً كريمة وعاش شعبها مرفوع الرأس وستبقى إرادتها الوطنية فوق كل إملاء وكرامتها فوق كل إساءة ومصلحتها فوق كل حساب ضيق.


