رأي

ضمائر‭ ‬الوطن

‬أمين‭ ‬مازن

لم‭ ‬يترك‭ ‬الزمنُ‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية‭ ‬للرجلِ‭ ‬وهو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الواقع‭ ‬الصغير‭ ‬عازمًا‭ ‬على‭ ‬العيش‭ ‬فيه‭ ‬وقد‭ ‬بدأتْ‭ ‬الشيخوخةُ‭ ‬تطرق‭ ‬أبوابَ‭ ‬عمره‭ ‬سوى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الملابس‭ ‬التي‭ ‬أمّنها‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬اليسر،‭ ‬عندما‭ ‬راعى‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬ملائمة‭ ‬لفصول‭ ‬السنة‭ ‬الأربعة،‭ ‬وظل‭ ‬دائب‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬ارتدائها‭ ‬كاملةً‭ ‬كلما‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬لأي‭ ‬شأن‭ ‬من‭ ‬الشئون‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المتعلق‭ ‬بالشأن‭ ‬العام،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬العشرة‭ ‬الأوائل‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬وإن‭ ‬يكن‭ ‬الجهاد‭ ‬ثم‭ ‬الهجرة‭ ‬قد‭ ‬مثلا‭ ‬بداية‭ ‬استحقاقه،‭ ‬فلا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬النفس‭ ‬بالتزام‭ ‬الموقف‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬العِفَّة‭ ‬والانحياز‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحفظ‭ ‬للآخرين‭ ‬حقوقهم،‭ ‬كان‭ ‬مما‭ ‬أضفى‭ ‬عليه‭ ‬وحفظ‭ ‬له‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الجدارة،‭ ‬وحسبُكَ‭ ‬ألا‭ ‬تراه‭ ‬سائرًا‭ ‬دون‭ ‬ارتداء‭ ‬الزَّي‭ ‬الوطني‭ ‬الكامل‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬‮«‬الكاط‮»‬‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬التسمية‭ ‬الشعبية‭ ‬وفوقه‭ ‬الجرد‭ ‬الثقيل‭ ‬أو‭ ‬الخفيف،‭ ‬وبيده‭ ‬العصا‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬لوح‭ ‬بها‭ ‬وهو‭ ‬يحثُّ‭ ‬الخطى‭ ‬تجاه‭ ‬هذا‭ ‬المسجد،‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬فيبدو‭ ‬لمَنْ‭ ‬يراه‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬غني‭ ‬كبير‭ ‬الغناء،‭ ‬خاصة‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬مهجره‭ ‬مبكرًا‭ ‬إلا‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الذين‭ ‬أدُّوا‭ ‬فريضة‭ ‬الحج‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬السفرُ‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬السويس‭ ‬أكثر‭ ‬يسرًا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سعر‭ ‬الذهب‭ ‬المُصَنع‭ ‬في‭ ‬المتناول‭ ‬ما‭ ‬حدا‭ ‬به‭ ‬لأن‭ ‬يختار‭ ‬الذهبَ‭ ‬فيغلف‭ ‬به‭ ‬أسنانه‭ ‬أثناء‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬فكان‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬أنه‭ ‬أمام‭ ‬رجل‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الغِنى‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬النَّاس‭ ‬كل‭ ‬النَّاس‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬الكريم‭ ‬دائمًا‭ ‬يخفي‭ ‬عسرته‭ ‬حتى‭ ‬ليبدو‭ ‬غنيًا‭ ‬وهو‭ ‬شديد‭ ‬الاحتياج‭ ‬أكثر‭ ‬ممن‭ ‬تراهم‭ ‬يطلبون‭ ‬منه‭ ‬العون،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬رأيناه‭ ‬عندما‭ ‬سَهُلَ‭ ‬تدبير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المرتبات‭ ‬لأمثاله‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬يعيش‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دخل‭ ‬لاستحالة‭ ‬تسميته‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬الخفراء،‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬تُمنَح‭ ‬لهم‭ ‬المساعدات‭ ‬لأن‭ ‬التسمية‭ ‬لا‭ ‬تتفق‭ ‬مع‭ ‬سمعته‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الذين‭ ‬حفظتهم‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬أرّخَتْ‭ ‬لأول‭ ‬فرع‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬رفعتْ‭ ‬شعار‭ ‬الدعوة‭ ‬للاستقلال‭ ‬وكذا‭ ‬الذين‭ ‬زكُّوا‭ ‬أول‭ ‬مُرشَّح‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬برلمان‭ ‬1952‭ ‬التي‭ ‬انفردتْ‭ ‬بمعارضة‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬عارضتْ‭ ‬وحدة‭ ‬البلاد‭ ‬وأخيرًا‭ ‬المجاهرة‭ ‬بالدعوة‭ ‬للانفصال‭ ‬من‭ ‬الولاية‭ ‬التي‭ ‬اعتبروها‭ ‬زيّفت‭ ‬إرادتهم‭ ‬ورفض‭ ‬الاعتذار‭ ‬للمسئول‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬تلك‭ ‬المهمة‭ ‬وجاءهم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬وفد‭ ‬أوفدته‭ ‬الولاية‭ ‬وحاول‭ ‬بعض‭ ‬ضعفاء‭ ‬النفوس‭ ‬التنصل‭ ‬من‭ ‬الموقف‭ ‬القديم،‭ ‬وكانتْ‭ ‬حجة‭ ‬الرافضين‭ ‬الثبات‭ ‬على‭ ‬المبدأ‭. ‬لقد‭ ‬رحل‭ ‬سيدي‭ ‬الحاج‭ ‬كما‭ ‬كنا‭ ‬ندعوه،‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬العام‭ ‬التاسع‭ ‬والستين،‭ ‬وكان‭ ‬يدعو‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬الثبات‭ ‬على‭ ‬المبد‭ ‬وإلى‭ ‬عدم‭ ‬التواضع‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬مَنْ‭ ‬يرى‭ ‬التواضع‭ ‬ضعفًا،‭ ‬أو‭ ‬خوفًا‭ ‬أو‭ ‬طمعًا،‭ ‬وقد‭ ‬رأينا‭ ‬في‭ ‬سلوكه‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬نقيس‭ ‬به‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬خلدتها‭ ‬أعمالنا‭ ‬السردية‭ ‬وكنا‭ ‬نرى‭ ‬فيه‭ ‬القدوة‭ ‬الحسنة‭ ‬التي‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬حالتْ‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬لحظات‭ ‬الضعف‭ ‬وإن‭ ‬ننسى‭ ‬لم‭ ‬ننسَ‭ ‬كلماته‭ ‬الثلاثة‭ )‬الكلمة‭ ‬واحدة‭ ‬والروح‭ ‬واحدة‭ ‬والموت‭ ‬واحدة‭( ‬فقد‭ ‬رأينا‭ ‬فيه‭ ‬دومًا‭ ‬أحد‭ ‬ضمائر‭ ‬الوطن‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى