
لم يترك الزمنُ في فترة ما بعد الحرب الكونية الثانية للرجلِ وهو يعود إلى ذلك الواقع الصغير عازمًا على العيش فيه وقد بدأتْ الشيخوخةُ تطرق أبوابَ عمره سوى مجموعة من الملابس التي أمّنها في سنوات اليسر، عندما راعى فيها أن تكون ملائمة لفصول السنة الأربعة، وظل دائب الحرص على ارتدائها كاملةً كلما خرج من منزله لأي شأن من الشئون ولا سيما المتعلق بالشأن العام، فهو من بين العشرة الأوائل في عمله وإن يكن الجهاد ثم الهجرة قد مثلا بداية استحقاقه، فلا شك أن الحرص على احترام النفس بالتزام الموقف القائم على العِفَّة والانحياز إلى كل ما يحفظ للآخرين حقوقهم، كان مما أضفى عليه وحفظ له مثل هذه الجدارة، وحسبُكَ ألا تراه سائرًا دون ارتداء الزَّي الوطني الكامل المتمثل في «الكاط» كما هي التسمية الشعبية وفوقه الجرد الثقيل أو الخفيف، وبيده العصا التي طالما لوح بها وهو يحثُّ الخطى تجاه هذا المسجد، أو ذاك، فيبدو لمَنْ يراه على هيئة غني كبير الغناء، خاصة وأنه لم يعد من مهجره مبكرًا إلا وهو من بين الذين أدُّوا فريضة الحج عندما كان السفرُ عن طريق السويس أكثر يسرًا، كما أن سعر الذهب المُصَنع في المتناول ما حدا به لأن يختار الذهبَ فيغلف به أسنانه أثناء العلاج في مصر، فكان ذلك أيضًا ما يوحي لكل من ينظر إليه أنه أمام رجل على قدر من الغِنى إذ أن النَّاس كل النَّاس لا تعرف أن الكريم دائمًا يخفي عسرته حتى ليبدو غنيًا وهو شديد الاحتياج أكثر ممن تراهم يطلبون منه العون، ومن هنا رأيناه عندما سَهُلَ تدبير الكثير من المرتبات لأمثاله في العمر يعيش من دون دخل لاستحالة تسميته في قوائم الخفراء، أو الذين تُمنَح لهم المساعدات لأن التسمية لا تتفق مع سمعته وهو الذي كان ذات يوم في مقدمة الذين حفظتهم الصور التي أرّخَتْ لأول فرع من حزب الجبهة الوطنية التي رفعتْ شعار الدعوة للاستقلال وكذا الذين زكُّوا أول مُرشَّح في انتخابات برلمان 1952 التي انفردتْ بمعارضة الحكومة التي عارضتْ وحدة البلاد وأخيرًا المجاهرة بالدعوة للانفصال من الولاية التي اعتبروها زيّفت إرادتهم ورفض الاعتذار للمسئول الذي أدى تلك المهمة وجاءهم مرة أخرى في وفد أوفدته الولاية وحاول بعض ضعفاء النفوس التنصل من الموقف القديم، وكانتْ حجة الرافضين الثبات على المبدأ. لقد رحل سيدي الحاج كما كنا ندعوه، في الأسابيع التي تلت العام التاسع والستين، وكان يدعو دائمًا إلى الثبات على المبد وإلى عدم التواضع أمام كل مَنْ يرى التواضع ضعفًا، أو خوفًا أو طمعًا، وقد رأينا في سلوكه المعيار الذي نقيس به الشخصيات التي خلدتها أعمالنا السردية وكنا نرى فيه القدوة الحسنة التي كثيرًا ما حالتْ بيننا وبين لحظات الضعف وإن ننسى لم ننسَ كلماته الثلاثة )الكلمة واحدة والروح واحدة والموت واحدة( فقد رأينا فيه دومًا أحد ضمائر الوطن.


