
ليستْ المقاهي طاولات وكراسٍ تنتظر روادها فحسب؛ بل إنها ذاكرة تتكيء عليها المدينة، ومساحة تلتقي فيها الحكايات، والوجوه.
في طرابلس؛ حيث تختلط رائحة البحر بعبق الأزقة القديمة، كانت القهوة موعدًا بين الأصدقاء، ونافذةً للأخبار، وملاذًا صغيرًا لمن أثقلته الحياة .. لكن الوجوه التي اعتادتْ الجلوسَ معًا باتتْ تحمل إلى الطاولات انشغالات جديدة: هاتفًا يضيء، أو كتابًا مفتوحًا، أو عملًا لا ينتظر.
فهل تغيّرتْ المقاهي لأنَّ النَّاس تغيّروا، أم أن إيقاع الحياة تبدّل، فانعكس على علاقتهم بالأماكن وببعضهم؟.
حين كانت الطاولة موعدًا
في أحد مقاهي «الأورورا»، وقبل العاشرة صباحًا، يجلس العم منصور، ذو الثلاثة والستين عامًا، إلى طاولته المعتادة. لا يرفع عينيه عن فنجانه إلا حين يمرّ أحد معارفه؛ يتبادلان التحية، وكلمات قليلة، ثم يعود إلى جلسته.
لا يرى منصور المقهى مكانًا منفصلًا عن الحياة، بل كأنه غرفة إضافية في بيت المدينة، بابها على الشارع ونوافذها مفتوحة على أخبار الناس. يستعيد أيامًا كان فيها الذهاب إلى القهوة موعدًا غير مكتوب؛ يعرف المرء أين يجد أصدقاءه، ويعرفون أين يجدونه. وكانت الطاولة المألوفة أشبه بمقعد محفوظ في ذاكرة الجماعة.
لا يشتاق منصور إلى الماضي لأنه كان خاليًا من المتاعب، بل إلى شعور أن يكون الإنسان حاضرًا في حياة الآخرين، لا مجرد عابر يمرّ بجوارهم. ومع ذلك، لا تخلو الذكرى من مبالغة الحنين؛ فلكل زمن همومه، وقد تمنح الذاكرة الماضي ألوانًا أدفأ مما كان. ربما لا يكون المطلوب استعادة زمن مضى، بل فهم ما جعل لقاءاته ذات معنى، والاحتفاظ بشيء من ذلك في أيامنا.
الشباب بين الصحبة والشاشة
في مقهى «الرواق» قرب شارع النصر، يجلس رياض القلالي، الطالب الجامعي في العشرينيات، مع صديقين. أمامهم فناجين القهوة، وفي أيديهم هواتف تضيء بالإشعارات. قد تبدو الصورة دليلًا على أن الشاشة حلّت محل الجلسة، لكن كلام رياض يرسم حكاية أكثر تعقيدًا.
يقول: نطلعوا للقهوة باش نشوفوا بعضنا، لكن كل واحد عنده دراسة وشغل وحاجات يتابع فيها. مرات نقعدوا ونتكلموا، ومرات كل واحد ينشغل بتلفونه. ومع هذا، القعدة عندها قيمة، لأنك حتى لو كنتَ مشغولًا، تحس إن أصحابك قريبين منكَ.
في حديثه مفارقة هذا الزمن: نحتاج إلى الآخرين، لكنَّنا لا نتفرغ لهم دائمًا. نبحث عن الصحبة، ونحمل إلى مجلسها انشغالاتنا؛ نريد أن نكون حاضرين، ونخشى في الوقت نفسه أن يفوتنا ما يجري في مكان آخر.
ولم تعد المقاهي فضاءً للحديث وحده؛ فقد اتخذها بعض الطلبة مكانًا للدراسة وإنجاز البحوث، هربًا من رتابة المنزل أو طلبًا للإنترنت والعمل بين الزملاء. تتجاور الكتب، والحواسيب مع فناجين القهوة، ويصير ضجيج المكان خلفية مألوفة للتركيز. غير أن هذا الاستخدام يثير أسئلة عملية: هل تتوافر للطلبة مقاعد مريحة وإنترنت مناسب؟ وهل تسمح أسعار المشروبات بالبقاء ساعات؟ وهل يحتاجون إلى مكتبات وفضاءات عامة أكثر ملاءمة؟
ليس من الإنصاف الحكم على جيل كامل من شاشة هاتف، ولا على طالب اختار المقهى للدراسة. الأجدى أن نفهم ما يبحث عنه رواد المكان، وما الذي يجدونه فيه، وما الذي يفتقدونه حين يغادرونه. فقد أصبح المقهى لبعضهم جزءًا من يومهم الدراسي والمهني، لا محطة عابرة للقاء الأصدقاء فقط.
صاحب المقهى وحساب الفنجان
خلف كل طاولة حكايةٌ لا يسمعها الزبائنُ عادةً؛ حكاية صاحب المقهى الذي يفتح أبوابه صباحًا، ويبدأ يومه بالتزامات لا تظهر على الواجهة. في مقهى «الرواق»، يتابع عماد شرف الدين، صاحب المقهى، العاملين وحركة الزبائن، ويحاول الموازنة بين راحة النَّاس وما يحتاج إليه المكان ليستمر.
يقول: الزبون يشوف القهوة قدامه، لكن صاحب المقهى يحسب البن، والكهرباء، والإيجار، وأجور العاملين. وتوا حتى الطلبة يجو ومعاهم اللابتوبات، ويقعدوا يقروا ويخدموا على بحوثهم. بعضهم يقعد ساعات، ولهذا لازم المكان يكون مريحًا، لكن في النهاية عندكَ مصاريف والتزامات.
في كلماته مفارقة بسيطة: المكان الذي يمنح النَّاس فسحةً من الراحة يحتاج هو أيضًا إلى ما يضمن بقاءه. ومع ارتفاع تكاليف الحياة، قد يقلَّل الزبون زياراته، أو يختار طلبًا أقل كلفة، فيما يواجه صاحب المقهى نفقات لا يستطيع تجاهلها. لذلك لا تعود المقارنة بين سعر فنجان الأمس واليوم مقارنةً بين مشروبين فحسب؛ إنها صورة صغيرة عن تبدل القدرة الشرائية وتفاصيل الحياة .. كما يفرض تنوع رواد المقهى التفكير في حاجات مختلفة. فالطالب الذي يطلب فنجانًا ويجلس ساعات لإنجاز بحثه ليس كالأصدقاء الذين يأتون للحديث ثم يغادرون سريعًا. ولا ينتقص اختلاف الاستخدام من حق أيٍّ منهم في المكان، لكنه يجعل راحة الجميع مسؤولية تستدعي قدرًا من التنظيم والتفاهم.
مجلسٌ تتقاطع فيه الحكايات
في المقاهي الشعبية وغيرها من أماكن اللقاء، يبدأ الحديث بمباراة، أو خبر يومي، ثم ينتقل إلى الأسعار والعمل والدراسة ومستقبل الأبناء. لا يحتاج هذا المجلس إلى برنامج رسمي كي يمنح النَّاس فرصة للتعبير عن آرائهم.
يقول يوسف، أحد رواد المقاهي: مرات تسمع رأيًا يخالف رأيكَ تمامًا، وتدخلوا في نقاش طويل.
المهم إنكَ تعرف تسمع للثاني، حتى لو ما اقتنعتش بكلامه. مش كل اختلاف لازم ينتهي بزعل».
هنا تتجاوز القهوة وظيفة الضيافة؛ فقد يصبح المقهى مكانًا يلتقي فيه المختلفون ويتعلمون أن التعايش لا يعني الاتفاق في كل شيء. وأهمية المجلس ليست في الكلام وحده، بل في قدرته على احتمال الاختلاف من دون أن يتحول إلى خصومة، وفي منحه المدينة فرصةً صغيرة كي تسمع أصواتها المتعددة.
ما الذي تخبرنا به المقاهي؟
لو امتلكَ كل مقهى في طرابلس دفترًا يدون فيه ما يسمعه، لاحتوى الدفتر على جانب من تاريخ المدينة غير الرسمي: قلق على الأبناء، انتظار لوظيفة، أحلام بالسفر، أحياء تبدلتْ ملامحها، وأصدقاء فرقتهم المسافات ثم أعادتهم الصدفة إلى الطاولة نفسها.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها تصنع نسيج الحياة الاجتماعية. فالتاريخ لا يعيش في الأحداث الكبرى وحدها؛ بل في عادات النَّاس، والأماكن التي يلتقون فيها، والكلمات التي تتكرَّر حتى تصبح جزءًا من شخصية المدينة.
وحفظ هذه الحكايات ليس ترفًا؛ فالأماكن التي لا تُسجَّل ذاكرتها قد تختفي، ولا يبقى منها سوى اسم يتناقله كبار السن، أو صورة لا يعرف الجيل الجديد أين التُقطت.
في نهاية اليوم، تُمسح الطاولات، وتُجمع الفناجين، ويغادر النَّاسُ واحدًا تلو الآخر، حاملين ما قالوه وما لم يقولوه. قد تتغير الكراسي والواجهات، وقد تصبح الشاشة رفيقة كل جلسة، فيما يحوّل الطلبة بعض الطاولات إلى مكاتب مؤقتة، ويواصل رجل مسن العودة إلى مقعده المعتاد، مترقبًا وجهًا يعرفه.
ربما لم تتغير المقاهي وحدها، وربما لم يتغير النَّاس بقدر ما نتصور؛ لعل ما تبدل هو إيقاع الحياة، وما نحمله معنا من قلق ومواعيد. ومع ذلك، تبقى حاجة الإنسان إلى أن يجلس مع آخر، ويصغي إليه من دون استعجال، حاجةً لا تبرد بانطفاء الهاتف.
وحين يبرد الفنجان أخيرًا، قد لا يبقى منه إلا أثرٌ صغيرٌ على الطاولة، لكن ما يتركه اللقاء في النفس قد يستمر طويلًا.
أصبح المقهى للبعض جزءًا من يومهم الدراسي والمهني لا محطة عابرة للقاء الأصدقاء



