الرئيسية

لـيـبـيـا البـوابـة أم المــمر ؟!

بقلم د. رانيا الصيد

ليبيا‭ ‬ليست‭ ‬أرض‭ ‬عبور،‭ ‬ليبيا‭ ‬هي‭ ‬أقصر‭ ‬طريق‭ ‬بين‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬ووسط‭ ‬أفريقيا،‭ ‬ومن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬والرسوم‭ ‬والمعلومة‭ ‬والقرار‭ ‬الأمني‭ ‬في‭ ‬الساحل‭ ‬والصحراء،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬كمشروعي‭ ‬طرق،‭ ‬بل‭ ‬كصراعٍ‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬البوابة،‭ ‬هل‭ ‬تكون‭ ‬سرت‭ ‬أم‭ ‬برنيس،‭ ‬وهل‭ ‬تكون‭ ‬سبها،‭ ‬والكفرة‭ ‬معًا‭ ‬أم‭ ‬الكفرة‭ ‬وحدها‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬ثبت‭ ‬فعلاً‭. ‬وما‭ ‬الذي

لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الدراسة؟

أعلنتْ‭ ‬وزارة‭ ‬النقل‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026‭ ‬عن‭ ‬الممر‭ ‬اللوجستي‭ ‬الثامن،‭ ‬‮«‬برنيس‭ ‬أسوان‭ ‬توشكى‮»‬‭ ‬شرق‭ ‬العوينات‭ ‬والكفرة‭ ‬وإنجامينا،‭ ‬ويمتد‭ ‬حتى‭ ‬‮«‬دوالا‮»‬‭ ‬بالكاميرون،‭ ‬بطول‭ ‬يقارب‭ ‬أربعة‭ ‬آلاف‭ ‬وثلاثمائة‭ ‬كيلومتر،‭ ‬وقال‭ ‬وزير‭ ‬النقل‭ ‬المصري‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭ ‬إن‭ ‬مصر‭ ‬تنفذ‭ ‬طريقًا‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬العوينات‭ ‬باتجاه‭ ‬الكفرة،‭ ‬وإنَّ‭ ‬الهدف‭ ‬خفض‭ ‬زمن‭ ‬النقل‭ ‬بين‭ ‬مصر،‭ ‬وتشاد‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬إلى‭ ‬أسبوع،‭ ‬وتحويل‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬إقليمي‭ ‬لـ‭)‬لترانزيت‭(.‬

لكن‭ ‬الدقة‭ ‬هنا‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬تصحيحه‭. ‬الطريق‭ ‬المصري‭ ‬التشادي،‭ ‬في‭ ‬صيغته‭ ‬الأقدم‭ ‬والأدق،‭ ‬طوله‭ ‬ألفان‭ ‬وخمسمائة‭ ‬وسبعون‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬ويتكون‭ ‬من‭ ‬ثلاثمائة‭ ‬وسبعين‭ ‬كيلومترًا‭ ‬داخل‭ ‬مصر،‭ ‬وثلاثمائة‭ ‬وتسعين‭ ‬كيلومترًا‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا،‭ ‬من‭ ‬الكفرة‭ ‬إلى‭ ‬الحدود‭ ‬التشادية،‭ ‬وتسعمائة‭ ‬وثلاثين‭ ‬كيلومترًا‭ ‬داخل‭ ‬تشاد‭ ‬حتى‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬إبشا‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬ثمانمائة‭ ‬وثمانين‭ ‬كيلومترًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬إبشا‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬إنجامينا،‭ ‬وهي‭ ‬مسافة‭ ‬قائمة‭ ‬وبحالة‭ ‬جيدة‭. ‬وما‭ ‬وصلت‭ ‬نسبة‭ ‬تنفيذه‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬٪‭ ‬هو‭ ‬القطاع‭ ‬المصري‭ ‬فقط،‭ ‬أما‭ ‬القطاع‭ ‬الليبي‭ ‬فلم‭ ‬يتجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬وقعتها‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬المقاولون‭ ‬العرب‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الليبي‭ ‬لإعداد‭ ‬الدراسات‭ ‬المساحية‭ ‬والبيئية‭ ‬والتصميم‭ ‬المبدئي،‭ ‬ثم‭ ‬وقعت‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬اتفاقًا‭ ‬مع‭ ‬صندوق‭ ‬التنمية‭ ‬وإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬ليبيا‭ ‬عن‭ ‬الجزء‭ ‬الأوسط‭ ‬الواقع‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬ليبي‭ ‬لثلاثمائة‭ ‬كيلومتر‭ ‬هو‭ ‬كلام‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬وتصميم،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬قائم،‭ ‬ومن‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬الدراسة‭ ‬والتنفيذ‭ ‬يضخم‭ ‬المشروع‭ ‬المصري‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬عليه،‭ ‬ويضعف‭ ‬موقف‭ ‬ليبيا‭ ‬التفاوضي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬التفاوض‭.‬

والتصحيح‭ ‬الثاني‭ ‬يخص‭ ‬المشروع‭ ‬الليبي‭.‬

طريق‭ ‬‮«‬سرت‭ ‬سوكنة‭ ‬سبها‮»‬،‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬SSS،‭ ‬طوله‭ ‬خمسمائة‭ ‬واثنان‭ ‬وأربعون‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬منها‭ ‬مئة‭ ‬واثنان‭ ‬وثمانون‭ ‬كيلومترًا‭ ‬من‭ ‬سرت‭ ‬إلى‭ ‬سوكنة،‭ ‬وثلاثمائة‭ ‬وستون‭ ‬كيلومترًا‭ ‬من‭ ‬سوكنة‭ ‬إلى‭ ‬سبها،‭ ‬وهو‭ ‬طريق‭ ‬مزدوج‭ ‬بمواصفات‭ ‬دولية،‭ ‬يشرف‭ ‬عليه‭ ‬الجهاز‭ ‬الوطني‭ ‬للتنمية،‭ ‬ويمتد‭ ‬تصوره‭ ‬الكامل‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬كيلومتر‭ ‬حتى‭ ‬الحدود‭ ‬الجنوبية،‭ ‬نحو‭ ‬التوم‭ ‬والنيجر‭ ‬والحدود‭ ‬التشادية‭. ‬أما‭ ‬رقم‭ ‬الملياري‭ ‬دولار‭ ‬الذي‭ ‬تردد‭ ‬كثيرًا‭ ‬ككلفة‭ ‬للطريق،‭ ‬فهو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬قيمة‭ ‬الاستثمار‭ ‬المعلنة‭ ‬لمشروع‭ ‬المنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬والميناء‭ ‬في‭ ‬سرت،‭ ‬لا‭ ‬كلفة‭ ‬الطريق،‭ ‬وكُلفة‭ ‬الطريق‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تعلن‭ ‬رسميًا‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬منشور،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬تقديم‭ ‬رقم‭ ‬المنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬رقم‭ ‬الطريق،‭ ‬لأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الخلط‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬للتشكيك‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬كله‭.‬

وميناء‭ ‬سرت‭ ‬نفسه‭ ‬عاد‭ ‬للعمل‭ ‬سنة‭ ‬2025‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬دام‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬عامًا،‭ ‬والمنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئتين‭ ‬وأربعة‭ ‬عشر‭ ‬هكتارًا،‭ ‬وتتكون‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬مراحل،‭ ‬الأولى‭ ‬تنظيف‭ ‬وتشغيل‭ ‬الميناء‭ ‬واكتملت،‭ ‬والثانية‭ ‬رصف‭ ‬الأرصفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬والشرقية‭ ‬وبلغت‭ ‬نسبة‭ ‬إنجازها‭ ‬65‭ ‬٪،‭ ‬والثالثة‭ ‬تعميق‭ ‬الأعماق‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬مترًا‭ ‬لاستقبال‭ ‬السفن‭ ‬العملاقة،‭ ‬والعُمق‭ ‬الحالي‭ ‬بين‭ ‬تسعة‭ ‬وأحد‭ ‬عشر‭ ‬مترًا،‭ ‬والرصيف‭ ‬الغربي‭ ‬بطول‭ ‬ثلاثمائة‭ ‬وخمسين‭ ‬مترًا‭ ‬جاهز‭ ‬تمامًا،‭ ‬والرصيف‭ ‬الجنوبي‭ ‬للحاويات‭ ‬بطول‭ ‬خمسمائة‭ ‬وسبعين‭ ‬مترًا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قيد‭ ‬التنفيذ‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬سرت‭ ‬ليستْ‭ ‬حُلمًا،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬ليست‭ ‬جاهزة‭ ‬بعد‭ ‬كبوابة‭ ‬كاملة،‭ ‬ومَنْ‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬جاهزة‭ ‬اليوم‭ ‬يبالغ،‭ ‬ومَنْ‭ ‬يقول‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يكذب،‭ ‬والحقيقة‭ ‬في‭ ‬الوسط،‭ ‬ميناء‭ ‬يعمل،‭ ‬ورصيف‭ ‬يكتمل،‭ ‬وعمق‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعميق،‭ ‬وطريق‭ ‬يبنى،‭ ‬وكلها‭ ‬أوراق‭ ‬قوة،‭ ‬لكنها‭ ‬أوراق‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬بعد‭.‬

الفرق‭ ‬بين‭ ‬المشروعين

الفرق‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المركز‭. ‬الممر‭ ‬المصري‭ ‬ميناؤه‭ ‬الحاكم‭ ‬‮«‬برنيس‮»‬‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬ومساره‭ ‬الليبي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الكفرة‮»‬‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الجنوب‭ ‬الشرقي،‭ ‬والقيمة‭ ‬المضافة‭ ‬الكبرى‭ ‬فيه،‭ ‬من‭ ‬موانئ‭ ‬ومناطق‭ ‬لوجستية‭ ‬وصناعة‭ ‬وتصدير،‭ ‬تبقى‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وليبيا‭ ‬فيه‭ ‬شريك‭ ‬عبور‭ ‬ودراسة‭.‬‭ ‬أما‭ ‬الممر‭ ‬الليبي‭ ‬فميناؤه‭ ‬سرت‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬ومساره‭ ‬يمر‭ ‬بـ«الجفرة،‭ ‬وسوكنة،‭ ‬وسبها‮»‬،‭ ‬والقيمة‭ ‬المضافة‭ ‬فيه،‭ ‬من‭ ‬تخزين،‭ ‬وتفريغ‭ ‬وتجارة،‭ ‬ورسوم‭ ‬ووظائف،‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬إذا‭ ‬أدير‭ ‬ليبيًا‭. ‬الأول‭ ‬يجعل‭ ‬ليبيا‭ ‬ممرًا،‭ ‬والثاني‭ ‬يجعلها‭ ‬بوابة،‭ ‬والممر‭ ‬يأخذ‭ ‬رسم‭ ‬عبور،‭ ‬والبوابة‭ ‬تأخذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كله‭.‬

وهنا‭ ‬نقطة‭ ‬يغفل‭ ‬عنها‭ ‬كثيرون‭. ‬تشاد‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬ليبيا‭ ‬وحدها،‭ ‬فهي‭ ‬تملك‭ ‬اليوم‭ ‬منفذًا‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬دوالا‮»‬‭ ‬بالكاميرون،‭ ‬وتفاوض‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬برنيس،‭ ‬وتفاوض‭ ‬ليبيا‭ ‬على‭ ‬سرت،‭ ‬والكفرة،‭ ‬وتملك‭ ‬تاريخيًا‭ ‬طريقًا‭ ‬عبر‭ ‬السودان‭ ‬إلى‭ ‬بورسودان،‭ ‬وكلما‭ ‬تعددتْ‭ ‬خياراتها‭ ‬زادت‭ ‬قوتها‭ ‬التفاوضية‭ ‬وقلت‭ ‬قوة‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬منفرد،‭ ‬لذلك‭ ‬ليبيا‭ ‬لا‭ ‬تنافس‭ ‬مصر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تنافس‭ ‬كل‭ ‬الموانئ‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬تشاد،‭ ‬وقوتها‭ ‬الوحيدة‭ ‬أنها‭ ‬الأقصر‭ ‬جغرافيا‭ ‬إلى‭ ‬المتوسط،‭ ‬وأنها‭ ‬تملك‭ ‬طريقين‭ ‬لا‭ ‬طريقًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬سرت‭ ‬عبر‭ ‬سبها،‭ ‬والكفرة‭ ‬عبر‭ ‬الشرق،‭ ‬ومَنْ‭ ‬يملك‭ ‬طريقين‭ ‬يفرض‭ ‬شروطه،‭ ‬ومَنْ‭ ‬يملك‭ ‬طريقًا‭ ‬واحدًا‭ ‬يفرض‭ ‬غيره‭ ‬عليه‭ ‬شروطه‭.‬

ما‭ ‬الأفضل‭ ‬للجنوب

الجنوب‭ ‬ليس‭ ‬مدينة‭ ‬واحدة،‭ ‬الجنوب‭ ‬هو‭ )‬الكفرة،‭ ‬وسبها،‭ ‬وسوكنة‭ ‬والجفرة،‭ ‬وأوباري،‭ ‬ومرزق،‭ ‬وغات،‭ ‬وتازربو‭(‬،‭ ‬والممر‭ ‬المصري‭ ‬يخدم‭ ‬مدينة‭ ‬واحدة‭ ‬ويترك‭ ‬الباقي‭ ‬بلا‭ ‬طريق‭ ‬حديث،‭ ‬وبلا‭ ‬سوق،‭ ‬وبلا‭ ‬ميناء‭ ‬قريب،‭ ‬أما‭ ‬طريق‭ ‬SSS‮»‬‭ ‬فهو‭ ‬أول‭ ‬طريق‭ ‬مزدوج‭ ‬يربط‭ ‬سبها‭ ‬بسرت‭ ‬مباشرة،‭ ‬ويختصر‭ ‬المسافة‭ ‬والكلفة‭ ‬على‭ ‬أهل‭ ‬الجنوب،‭ ‬ويفتح‭ ‬أمامهم‭ ‬سوقا‭ ‬متوسطية،‭ ‬ويجعل‭ ‬منتجات‭ ‬النيجر‭ ‬وتشاد‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬مدنهم‭ ‬لا‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهم‭.‬

ومصلحة‭ ‬الجنوب‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬طريق‭ ‬الكفرة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬واحدة،‭ ‬لا‭ ‬طريق‭ ‬للكفرة‭ ‬يكون‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬سبها،‭ ‬بل‭ ‬مكملاً‭ ‬له،‭ ‬وبشروط‭ ‬ليبية،‭ ‬وبملكية‭ ‬ليبية‭ ‬للميناء‭ ‬البري،‭ ‬وبصندوق‭ ‬تنمية‭ ‬يمول‭ ‬من‭ ‬رسوم‭ ‬العبور‭ ‬لصالح‭ ‬سبها‭ ‬والكفرة‭ ‬معًا،‭ ‬فالخطر‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬مصر‭ ‬طريقًا،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬بالجنوب،‭ ‬الكفرة‭ ‬ضد‭ ‬سبها،‭ ‬والشرق‭ ‬ضد‭ ‬الغرب،‭ ‬والطريق‭ ‬الشرقي‭ ‬ضد‭ ‬الطريق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ومن‭ ‬يفرق‭ ‬الجنوب‭ ‬يسهل‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬فوقه‭.‬

ومَنْ‭ ‬يقرأ‭ ‬خريطة‭ ‬الجنوب‭ ‬بذكاء‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الكفرة‭ ‬وسبها‭ ‬ليستا‭ ‬متنافستين،‭ ‬بل‭ ‬متكاملتان،‭ ‬الكفرة‭ ‬بوابة‭ ‬الشرق‭ ‬نحو‭ ‬تشاد‭ ‬والسودان،‭ ‬وسبها‭ ‬بوابة‭ ‬الوسط‭ ‬نحو‭ ‬النيجر‭ ‬وتشاد‭ ‬معا،‭ ‬وأي‭ ‬مشروع‭ ‬يخدم‭ ‬واحدة‭ ‬ويهمل‭ ‬الأخرى‭ ‬يخلق‭ ‬جنوبين،‭ ‬جنوبًا‭ ‬مربوطًا‭ ‬بالتجارة،‭ ‬وآخر‭ ‬مربوطًا‭ ‬بالتهميش،‭ ‬والجنوب‭ ‬المربوط‭ ‬بالتهميش‭ ‬يتحوَّل‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬وقود‭ ‬للتهريب،‭ ‬والسلاح،‭ ‬والهجرة،‭ ‬والجنوب‭ ‬المربوط‭ ‬بالتجارة‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬طريق‭ ‬يبني‭ ‬دولة،‭ ‬وطريق‭ ‬يبني‭ ‬ممرًا‭. ‬وهنا،‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقال‭ ‬بوضوح‭ ‬إن‭ ‬ليبيا‭ ‬اليوم‭ ‬بلا‭ ‬سلطة‭ ‬موحدة‭ ‬تملك‭ ‬حق‭ ‬التوقيع‭ ‬الملزم‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬ممر‭ ‬دولي،‭ ‬وبلا‭ ‬برلمان‭ ‬واحد‭ ‬يصادق،‭ ‬وبلا‭ ‬حكومة‭ ‬واحدة‭ ‬تحاسب،‭ ‬وأي‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬توقعها‭ ‬جهة‭ ‬منفردة،‭ ‬أو‭ ‬صندوق،‭ ‬أو‭ ‬جهاز،‭ ‬تبقى‭ ‬التزامًا‭ ‬إداريًا‭ ‬وفنيًا،‭ ‬لا‭ ‬اتفاقية‭ ‬دولة،‭ ‬ولا‭ ‬تنشئ‭ ‬حقًا‭ ‬دائمًا‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭ ‬أجنبي‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬ليبية،‭ ‬ولا‭ ‬تمنح‭ ‬أحدًا‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬الدائم،‭ ‬ولا‭ ‬حق‭ ‬إدارة‭ ‬ميناء‭ ‬بري،‭ ‬ولا‭ ‬حق‭ ‬فرض‭ ‬رسوم،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬انقسام‭ ‬سيبقى‭ ‬قابلا‭ ‬للمراجعة‭ ‬حين‭ ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬الموحدة،‭ ‬وما‭ ‬يبني‭ ‬على‭ ‬الانقسام‭ ‬يبني‭ ‬على‭ ‬رمل‭.‬

من‭ ‬يقف‭ ‬خلف‭ ‬الطرق؟

مصر‭ ‬تريد‭ ‬سوقًا‭ ‬لصادراتها‭ ‬ومواد‭ ‬خام‭ ‬من‭ ‬تشاد،‭ ‬ومركز‭ ‬ترانزيت‭ ‬ينافس‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬بريًا،‭ ‬وهذا‭ ‬حقها،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬حقًا‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬ليبيا،‭ ‬ومصر‭ ‬لا‭ ‬تخفي‭ ‬أنها‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المركز‭ ‬لا‭ ‬شريكًا‭ ‬متساويًا،‭ ‬والإمارات‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬بالدعم‭ ‬السياسي،‭ ‬والعسكري‭ ‬لقوات‭ ‬الشرق،‭ ‬وحاضرة‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬واللوجستيات‭ ‬والطاقة،‭ ‬ومصلحتها‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬الموانئ‭ ‬الليبية‭ ‬مفتوحة‭ ‬لشبكتها،‭ ‬وألا‭ ‬تتحوَّل‭ ‬سرت‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬مستقلة‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬نفوذ،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬منفذة‭ ‬لجزء‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬SSS،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تلعب‭ ‬على‭ ‬الطريقين،‭ ‬ومن‭ ‬يفهم‭ ‬هذا‭ ‬يفهم‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬حليف‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬اللوجستيات‭ ‬بل‭ ‬مصالح‭ ‬تدار‭.‬

وتركيا‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الطريق‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬البحر،‭ ‬فبعد‭ ‬مصادقة‭ ‬مجلس‭ ‬النَّواب‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬ترسيم‭ ‬الحدود‭ ‬البحرية‭ ‬معها‭ ‬صار‭ ‬لها‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الساحل‭ ‬الليبي‭ ‬قاعدة‭ ‬لوجستية‭ ‬تربطها‭ ‬بأفريقيا،‭ ‬من‭ ‬الساحل‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬النيجر‭ ‬وتشاد،‭ ‬ومنها‭ ‬إلى‭ ‬السودان،‭ ‬ونيجيريا،‭ ‬وإثيوبيا،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تنافس‭ ‬مباشرة‭ ‬مشروع‭ ‬برنيس‭ ‬دوالا،‭ ‬وتنافس‭ ‬أيضًا‭ ‬خط‭ ‬غاز‭ ‬شرق‭ ‬المتوسط،‭ ‬وطريق‭ ‬سرت‭ ‬يخدم‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬التركي،‭ ‬وطريق‭ ‬الكفرة‭ ‬يضعفه،‭ ‬والصين‭ ‬حاضرة‭ ‬بهدوء،‭ ‬فشركة‭ ‬‮«‬تشاينا‭ ‬هاربور‮»‬‭ ‬تناقش‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭ ‬الحرة‭ ‬في‭ ‬سرت‭ ‬تطوير‭ ‬الميناء‭ ‬والأرصفة‭ ‬العميقة‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬وقطر،‭ ‬والسعودية،‭ ‬وعُمان،‭ ‬وأبوظبي‭ ‬قدمتْ‭ ‬عروضًا‭ ‬لتشغيل‭ ‬الميناء،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬سرت‭ ‬صارت‭ ‬ساحة‭ ‬عروض‭ ‬دولية،‭ ‬لا‭ ‬مشروعًا‭ ‬محليًا،‭ ‬ومن‭ ‬يدير‭ ‬هذه‭ ‬العروض‭ ‬بذكاء‭ ‬يرفع‭ ‬سعر‭ ‬ليبيا،‭ ‬ومن‭ ‬يوقع‭ ‬مع‭ ‬أول‭ ‬عارض‭ ‬يبيعها‭ ‬بأقل‭ ‬سعر‭.‬

وروسيا‭ ‬تستخدم‭ ‬قواعد‭ ‬في‭ ‬الجفرة،‭ ‬وبراك‭ ‬الشاطئ،‭ ‬وبنغازي،‭ ‬وسرت،‭ ‬وميناء‭ ‬طبرق،‭ ‬كنقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬للفيلق‭ ‬الإفريقي‭ ‬نحو‭ )‬مالي‭ ‬وبوركينا‭ ‬فاسو‭ ‬والنيجر‭ ‬وجمهورية‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى‭(‬،‭ ‬وتحدثت‭ ‬تقارير‭ ‬غربية‭ ‬وتحليل‭ ‬لصور‭ ‬أقمار‭ ‬صناعية‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬عن‭ ‬وصول‭ ‬معدات‭ ‬روسية‭ ‬إلى‭ ‬طبرق،‭ ‬ومصلحة‭ ‬موسكو‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬مفتوحًا‭ ‬وقابلاً‭ ‬للتحكم،‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الساحل،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬الطرق‭ ‬إلى‭ ‬ممرات‭ ‬مدنية‭ ‬خاضعة‭ ‬لدولة‭ ‬ليبية‭ ‬قوية‭ ‬تراقب‭ ‬كل‭ ‬شاحنة،‭ ‬وإيطاليا‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬طريقًا‭ ‬آمنًا‭ ‬للطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬يربط‭ ‬صقلية‭ ‬بالساحل‭ ‬عبر‭ ‬مصراتة‭ ‬وسرت،‭ ‬وتريد‭ ‬ضبط‭ ‬الهجرة‭ ‬من‭ ‬الجنوب،‭ ‬وفرنسا‭ ‬التي‭ ‬خسرت‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬النيجر،‭ ‬ومالي،‭ ‬وبوركينا‭ ‬فاسو‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الساحل‭ ‬عبر‭ ‬ليبيا‭ ‬وتشاد،‭ ‬وأمريكا‭ ‬تريد‭ ‬منع‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬ليبيا‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة،‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬ممر‭ ‬يخرج‭ ‬عن‭ ‬رقابتها،‭ ‬وكلهم‭ ‬يريدون‭ ‬ليبيا‭ ‬مستقرة،‭ ‬لكن‭ ‬مستقرة‭ ‬بشروطهم‭ ‬لا‭ ‬بشروطها‭.‬

وتبقى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهي‭ ‬المصلحة‭ ‬الأخفى‭ ‬والأكثر‭ ‬حساسية،‭ ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬الدقة‭ ‬الكاملة،‭ ‬لأنَّ‭ ‬كثيرًا‭ ‬مما‭ ‬يتداول‭ ‬مزاعم‭ ‬بلا‭ ‬وثائق‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موثق‭ ‬أن‭ ‬تشاد‭ ‬وإسرائيل‭ ‬استعادتا‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2019،‭ ‬بعد‭ ‬زيارة‭ ‬إدريس‭ ‬ديبي‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬وزيارة‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬إنجامينا،‭ ‬ووقعتا‭ ‬اتفاقي‭ ‬دفاع،‭ ‬وأمن‭ ‬لم‭ ‬تنشر‭ ‬تفاصيلهما،‭ ‬وقالت‭ ‬مصادر‭ ‬تشادية‭ ‬إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬زودت‭ ‬تشاد‭ ‬بمعدات‭ ‬لقتال‭ ‬المتمردين‭ ‬في‭ ‬الشمال،‭ ‬وأن‭ ‬تشاد‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬أمنًا‭ ‬واستخبارات‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬وزراعة،‭ ‬وأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬تشاد‭ ‬موطئ‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬أفريقيا‭ ‬المسلمة،‭ ‬وحدودًا‭ ‬مع‭ ‬ليبيا‭ ‬والسودان‭. ‬وما‭ ‬هو‭ ‬موثق‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬تشاد‭ ‬استدعت‭ ‬سفيرها‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2023‭ ‬احتجاجًا‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬ثم‭ ‬أغلقت‭ ‬سفارتها‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025‭ ‬لأسباب‭ ‬مالية،‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬الإغلاق‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬لم‭ ‬تنقطع،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬ذروتها،‭ ‬ومن‭ ‬يقدمها‭ ‬كتحالف‭ ‬ثابت‭ ‬يبالغ،‭ ‬ومن‭ ‬ينفيها‭ ‬ينكر‭ ‬واقعًا‭ ‬موثقًا‭ .. ‬أما‭ ‬المزاعم‭ ‬المتداولة‭ ‬عن‭ ‬خطة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬لاستيراد‭ ‬خمسين‭ ‬ألف‭ ‬برميل‭ ‬يوميًا‭ ‬من‭ ‬شرق‭ ‬ليبيا،‭ ‬وبناء‭ ‬منظومة‭ ‬رادارات‭ ‬بين‭ ‬طبرق،‭ ‬ورأس‭ ‬لانوف،‭ ‬وتطوير‭ ‬مصفاة‭ ‬رأس‭ ‬لانوف‭ ‬ومطار‭ ‬بنغازي،‭ ‬فهي‭ ‬روايات‭ ‬بلا‭ ‬وثائق‭ ‬رسمية،‭ ‬ولم‭ ‬يصدر‭ ‬بشأنها‭ ‬رد‭ ‬رسمي،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬تقديمها‭ ‬كحقيقة،‭ ‬والتحليل‭ ‬الذكي‭ ‬لا‭ ‬يحتاجها،‭ ‬لأن‭ ‬المنطق‭ ‬وحده‭ ‬يكفي‭. ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ ‬طريقًا‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشياء،‭ ‬ألا‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬إلى‭ ‬ممر‭ ‬سلاح‭ ‬خارج‭ ‬رقابتها،‭ ‬وألا‭ ‬تتحوَّل‭ ‬تشاد‭ ‬إلى‭ ‬حليف‭ ‬لخصومها،‭ ‬وألا‭ ‬يصبح‭ ‬الساحل‭ ‬الليبي‭ ‬قاعدة‭ ‬تركية،‭ ‬أو‭ ‬روسية‭ ‬مغلقة‭ ‬أمامها،‭ ‬لذلك‭ ‬مصلحتها‭ ‬البنيوية‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬الجنوب‭ ‬مفككًا‭ ‬وقابلا‭ ‬للاختراق،‭ ‬وأن‭ ‬تبقى‭ ‬الكفرة‭ ‬بوابة‭ ‬مفتوحة‭ ‬بلا‭ ‬دولة‭ ‬قوية،‭ ‬وأن‭ ‬يبقى‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬ليبي‭ ‬موحد‭ ‬ضعيفًا،‭ ‬أو‭ ‬مؤجلا،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الدرس،‭ ‬أخطر‭ ‬مصلحة‭ ‬أجنبية‭ ‬ليست‭ ‬التي‭ ‬تعلن‭ ‬طريقًا،‭ ‬بل‭ ‬التي‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬الطريق‭ ‬الليبي‭.‬

وتصحيح‭ ‬أخير‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭. ‬ما‭ ‬نقل‭ ‬عن‭ ‬رفض‭ ‬القيادة‭ ‬العامة‭ ‬للمخطط‭ ‬المصري‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬رسمي‭ ‬منشور‭ ‬يمكن‭ ‬التحقَّق‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الوقائع‭ ‬المنشورة‭ ‬تقول‭ ‬العكس‭ ‬جزئيًا،‭ ‬فصندوق‭ ‬التنمية‭ ‬وإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬وقع‭ ‬مع‭ ‬‮«‬المقاولون‭ ‬العرب‮»‬‭ ‬اتفاق‭ ‬دراسة‭ ‬للقطاع‭ ‬الليبي،‭ ‬والجهاز‭ ‬الوطني‭ ‬للتنمية‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬SSS،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬الليبي‭ ‬من‭ ‬الممر‭ ‬المصري‭ ‬غير‭ ‬معلن،‭ ‬وغير‭ ‬موحد‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وليبيا‭ ‬بلا‭ ‬حكومة‭ ‬واحدة،‭ ‬وبلا‭ ‬برلمان‭ ‬واحد‭ ‬يوقع‭ ‬اتفاقية‭ ‬دولية‭ ‬ملزمة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬العيب‭ ‬البنيوي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬طريق‭ ‬يبنى‭ ‬فوق‭ ‬أرض‭ ‬بلا‭ ‬قرار‭ ‬موحد،‭ ‬طريًقا‭ ‬قابلا‭ ‬للابتزاز‭ ‬والتوقف‭ ‬والتحويل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭.‬

أين‭ ‬مصلحة‭ ‬ليبيا‭ ‬فقط؟

مصلحة‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬شروط‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬شعار،‭ ‬الأول‭ ‬شرط‭ ‬السيادة،‭ ‬فلا‭ ‬ممر‭ ‬دولي‭ ‬عبر‭ ‬ليبيا‭ ‬إلا‭ ‬باتفاقية‭ ‬دولة‭ ‬واحدة،‭ ‬تحدد‭ ‬الرسوم‭ ‬وملكية‭ ‬الموانئ‭ ‬البرية‭ ‬وحق‭ ‬التفتيش‭ ‬والتنظيم‭ ‬الأمني،‭ ‬الكفرة‭ ‬ميناء‭ ‬بري‭ ‬ليبي،‭ ‬وسرت‭ ‬ميناء‭ ‬بحري‭ ‬ليبي،‭ ‬ولا‭ ‬امتداد‭ ‬إداري‭ ‬لأي‭ ‬ممر‭ ‬أجنبي،‭ ‬والثاني‭ ‬شرط‭ ‬التكامل،‭ ‬فيبنى‭ ‬الممران‭ ‬معًا،‭ ‬بأولوية‭ ‬سرت،‭ ‬وربط‭ ‬الكفرة‭ ‬بسبها،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الشرق‭ ‬إلى‭ ‬جزيرة‭ ‬لوجستية،‭ ‬والجنوب‭ ‬الغربي‭ ‬إلى‭ ‬صحراء‭ ‬منسية،‭ ‬فليبيا‭ ‬بطريقين‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬تستعمل‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬واحد،‭ ‬والثالث‭ ‬شرط‭ ‬العائد،‭ ‬فينشأ‭ ‬صندوق‭ ‬تنمية‭ ‬الجنوب‭ ‬من‭ ‬رسوم‭ ‬العبور‭ ‬والترانزيت،‭ ‬يمول‭ ‬الطرق‭ ‬الداخلية‭ ‬والكهرباء‭ ‬والمياه‭ ‬والجامعات‭ ‬والمستشفيات‭ ‬في‭ ‬سبها‭ ‬والكفرة‭ ‬معا،‭ ‬فلا‭ ‬يعقل‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬فوق‭ ‬أرض‭ ‬لا‭ ‬يصلها‭ ‬الماء‭.‬

ودبلوماسيا،‭ ‬الموقف‭ ‬الأذكى‭ ‬ليس‭ ‬لا‭ ‬لمصر،‭ ‬بل‭ ‬نعم‭ ‬بشروط‭ ‬ليبيا،‭ ‬وليس‭ ‬اختاريًا‭ ‬لتشاد،‭ ‬بل‭ ‬عندك‭ ‬بوابتان‭ ‬ليبيتان،‭ ‬وكلتاهما‭ ‬أقصر‭ ‬من‭ ‬‮«‬برنيس،‭ ‬ودوالا‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬عداء‭ ‬لأي‭ ‬دولة،‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬واحدة،‭ ‬ليبيا‭ ‬تؤجر‭ ‬موقعها‭ ‬ولا‭ ‬تبيع‭ ‬جغرافيتها،‭ ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬طريقًا‭ ‬عبر‭ ‬ليبيا‭ ‬فليبن‭ ‬معها‭ ‬طريقها،‭ ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬فوقها‭ ‬فليدفع‭ ‬ثمن‭ ‬المرور،‭ ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يفرق‭ ‬جنوبها‭ ‬فليعلم‭ ‬أن‭ ‬الجنوب‭ ‬حين‭ ‬يقرر‭ ‬معًا‭ ‬يصبح‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬البوابة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أرض‭ ‬تمر‭ ‬فوقها‭ ‬البوابات‭.‬

الصراع‭ ‬حول‭ ‬ليبيا‭ ‬صار‭ ‬صراع‭ ‬موانئ‭ ‬وطرق،‭ ‬مصر‭ ‬تريد‭ ‬المركز،‭ ‬وتركيا‭ ‬تريد‭ ‬البحر،‭ ‬والبر،‭ ‬وروسيا‭ ‬تريد‭ ‬الممر‭ ‬العسكري،‭ ‬والإمارات،‭ ‬والصين،‭ ‬وقطر‭ ‬تريد‭ ‬الموانئ،‭ ‬وأوروبا‭ ‬تريد‭ ‬الطاقة‭ ‬والهجرة،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تريد‭ ‬عينًا‭ ‬على‭ ‬الجنوب‭ ‬والساحل،‭ ‬وكلهم‭ ‬بدرجات‭ ‬مختلفة‭ ‬يستفيدون‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬منقسمة‭ ‬وجنوب‭ ‬مفكك‭ ‬ودولة‭ ‬بلا‭ ‬قرار‭ ‬موحد،‭ ‬أما‭ ‬ليبيا‭ ‬فمصلحتها‭ ‬واحدة،‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬توقع،‭ ‬وجنوب‭ ‬واحد‭ ‬يقرر،‭ ‬وطريقان‭ ‬يلتقيان‭ ‬في‭ ‬سبها،‭ ‬وميناء‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬سرت،‭ ‬وميناء‭ ‬بري‭ ‬ليبي‭ ‬في‭ ‬الكفرة،‭ ‬فليبيا‭ ‬ليستْ‭ ‬ممرًا‭ ‬بين‭ ‬‮«‬برنيس‭ ‬ودوالا‮»‬،‭ ‬ليبيا‭ ‬هي‭ ‬البوابة،‭ ‬ومَنْ‭ ‬أراد‭ ‬العبور‭ ‬فليدفع‭ ‬ثمن‭ ‬البوابة‭ ‬وليحترم‭ ‬صاحبها‭.‬

مصلحة‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬

السيادة‭ .. ‬التكامل‭ .. ‬العائد

‭ ‬SSS‭ ‬أول‭ ‬طريق‭ ‬مزدوج‭ ‬يربط‭ ‬سبها‭ ‬بسرت‭ ‬مباشرة‭ ‬ويفتح‭ ‬أمامهم‭ ‬سوقًا‭ ‬متوسطية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى