ثقافة

أزمة النقد الروائي في ليبيا بين «النقد الإجرائي» وغياب الرؤية المؤسسية

مفتاح ميلود

عندما‭ ‬تتشابك‭ ‬الرؤى‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الأدبي،‭ ‬يصبح‭ ‬النقدُ‭ ‬بوصلةً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭ ‬لتفكيك‭ ‬النصوص‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬القوالب‭ ‬الجاهزة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬نفتح‭ ‬صفحاتنا‭ ‬للأكاديمي‭ ‬والناقد‭ ‬عبد‭ ‬الحفيظ‭ ‬العابد،‭ ‬الذي‭ ‬يؤسس‭ ‬لرؤية‭ ‬نقدية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الرواية‭ ‬نمذجة‭ ‬للواقع‭ ‬وليستْ‭ ‬خطابًا‭ ‬أخلاقيًا‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬يرى‭ ‬للأدبِ‭ ‬أثراً‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬محملاً‭ ‬بـ‭)‬المفاجأة‭ ‬والصدفة‭(.‬

‭ ‬التقينا‭ ‬‮«‬العابد‮»‬‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬فعاليات‭ )‬ليالي‭ ‬المدينة‭( ‬بطرابلس‭ ‬2026،‭ ‬خلال‭ ‬ندوة‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية‮»‬،‭ ‬لنطرح‭ ‬إشكاليات‭ ‬المناهج‭ ‬النقدية‭ ‬الحديثة،‭ ‬ونبحث‭ ‬معه‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمتها‭ ‬لخصوصية‭ ‬النصّ‭ ‬الليبي،‭ ‬محاولين‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬التساؤل‭ ‬الجدلي‭: ‬هل‭ ‬تعود‭ ‬أزمة‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬استعصاء‭ ‬النص‭ ‬المُبدَع،‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬استعلاء‭ ‬المنهج‭ ‬المُطبَّق؟

انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬متابعتكم‭ ‬للمنجز‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬كيف‭ ‬تقيمون‭ ‬واقع‭ ‬الدراسات‭ ‬النقدية‭ ‬المطبقة‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬الليبية؟

من‭ ‬واقع‭ ‬مشاهداتي‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬أستعير‭ ‬مصطلح‭ ‬د‭.‬عبدالله‭ ‬العقبي‭ ‬‮«‬الرواية‭ ‬الإجرائية‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬الرواية‭ ‬التي‭ ‬تستوفي‭ ‬عناصر‭ ‬السرد‭ ‬وتفتقد‭ ‬للروح‭ ‬لأتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الإجرائي‮»‬‭ ‬المهيمن‭ ‬على‭ ‬دراساتنا‭ ‬الحالية‭.‬

نحن‭ ‬أمام‭ ‬أبحاث‭ ‬تلتزم‭ ‬بصرامة‭ ‬المنهج‭ ‬المقترح‭ ‬لكنها‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقية‭ ‬بالنص‭. ‬إنها‭ ‬تحشد‭ ‬المصطلحات‭ ‬النظرية‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬السرد‭ ‬وتحجم‭ ‬عن‭ ‬التحليل؛‭ ‬فتكتفي‭ ‬بنثر‭ ‬الحكاية‭ ‬وترك‭ ‬القارئ‭ ‬وحيداً‭ ‬أمام‭ ‬النص‭. ‬فرغم‭ ‬حضور‭ ‬المناهج‭ ‬الحديثة‭ ‬كعناوين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فاعليتها‭ ‬النقدية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬القراءات‭ ‬تحاكم‭ ‬الرواية‭ ‬بمدى‭ ‬تطابقها‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭. ‬كيف‭ ‬ترون‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة؟

تستند‭ ‬هذه‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الانعكاس‮»‬‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬الذي‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الرواية‭ ‬كمرآة‭ ‬للواقع‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المرآة‭ ‬تحطمت‭ ‬منذ‭ ‬باختين؛‭ ‬فالرواية‭ ‬‮«‬نمذجة‭ ‬للواقع‮»‬‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬قضاياه،‭ ‬وليستْ‭ ‬تمثيلاً‭ ‬ساذجاً‭ ‬له‭. ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬المرجعيات‭ ‬التاريخية‭ ‬للرواية‭ ‬وبين‭ ‬متخيلها‭ ‬السردي‭ ‬الخاص‭.‬

النصُ‭ ‬الروائي‭ ‬خطاٌب‭ ‬لغوي‭ ‬جمالي‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬الواقع‭ ‬باستقلالية‭ ‬فنية،‭ ‬والقراءات‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بمطابقة‭ ‬النص‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬تتجاهل‭ ‬غايته‭ ‬الجمالية‭ ‬ورؤيته‭ ‬العميقة‭ ‬للعالم،‭ ‬وتحيله‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬ناقل‭ ‬للقوالب‭ ‬الجاهزة‭.‬

هل‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬افتقارنا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬نقدية‭ ‬ليبية‮»‬‭ ‬بملامح‭ ‬واضحة؟

أؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا‭.‬

ما‭ ‬نملكه‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬محض‭ ‬جهود‭ ‬فردية‭ ‬لدارسين‭ ‬محملين‭ ‬بتوجهات‭ ‬مدارس‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭. ‬فالعمل‭ ‬النقدي،‭ ‬عكس‭ ‬الإبداع،‭ ‬يتطلب‭ ‬تأطيراً‭ ‬مؤسسياً‭ ‬وهوية‭ ‬واضحة‭. ‬نحن‭ ‬نعتمد‭ ‬على‭ ‬الوسيط،‭ ‬فنستورد‭ ‬المصطلحات‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬بجذورها‭ ‬المعرفية‭. ‬مصطلح‭ ‬كـ«التناص‮»‬‭ ‬مثلاً،‭ ‬يُقحم‭ ‬في‭ ‬عشرات‭ ‬الدراسات‭ ‬كعنوان‭ ‬جاهز‭ ‬وكأنه‭ ‬هبط‭ ‬من‭ ‬السماء،‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬لصيرورته‭ ‬النظرية‭ ‬وتطورها‭ ‬من‭ ‬دي‭ ‬سوسير‭ ‬إلى‭ ‬كريستيفا‭.‬

هل‭ ‬الأزمة‭ ‬إذن‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬تعسف‭ ‬المنهج؟‭ ‬وكيف‭ ‬نكسر‭ ‬دائرة‭ ‬التكرار؟

عبد‭ ‬الحفيظ‭ ‬العابد‭:‬‭ ‬الأزمة‭ ‬تتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬التعسف‭ ‬بفرض‭ ‬مناهج‭ ‬محددة‭ ‬قبل‭ ‬قراءة‭ ‬العمل،‭ ‬متناسين‭ ‬القاعدة‭ ‬النقدية‭: ‬‮«‬النص‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يقترح‭ ‬مدخله‭ ‬القرائي‮»‬‭. ‬إقحام‭ ‬عناوين‭ ‬الحداثة‭ ‬والنقد‭ ‬الثقافي‭ ‬اعتباطياً‭ ‬ينتج‭ ‬قراءات‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬النص‭. ‬أما‭ ‬المخرج،‭ ‬فيكمن‭ ‬في‭ ‬التنسيق‭ ‬المؤسسي؛‭ ‬فرغم‭ ‬محاولاتنا‭ ‬لتجاوز‭ ‬السرديات‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬نظل‭ ‬أسرى‭ ‬لجهود‭ ‬فردية‭ ‬ضيقة‭.‬

نحن‭ ‬نفتقد‭ ‬لتوجيه‭ ‬مؤسسي‭ ‬يسد‭ ‬‮«‬الفجوات‭ ‬البحثية‮»‬،‭ ‬وبغياب‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الجامعات‭ ‬الليبية‭ ‬لتوحيد‭ ‬الجهود،‭ ‬ستظل‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬دراساتنا‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬الفلك‭ ‬ذاته‭ ‬المكرر‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى