تشهد البلاد في الآونة الأخيرة أزمة خانقة في إمدادات الوقود، انعكست بصورة مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين في مختلف المناطق؛ إذ تحولت محطات التوزيع إلى ساحات لانتظار يمتد لساعات طوال، وأحياناً لأيام، للحصول على حصة محدودة تكفي لمواصلة الأعمال وتسيير شؤون المعيشة الأساسية. إن هذا المشهد المتكرر لم يعد مجرد خلل لوجستي عابر، بل بات عبئاً ثقيلاً يستنزف وقت المجتمع وطاقاته، ويُربك حركة النقل والتجارة ومختلف المرافق الخدمية الحيوية.
إن مفارقة حدوث هذا النقص الحاد في دولة تمتلك ثروات نفطية كبرى تثير تساؤلات مشروعة حول أسباب التعثر المستمر في انتظام سلاسل التوزيع وتأمين احتياجات السوق المحلي بصورة مستدامة. فالوقود يُمثل شرياناً رئيساً لا غنى عنه لإدارة عجلة الاقتصاد وتأمين انتقال الأفراد والسلع، واستمرار انقطاعه أو تذبذب وفرته يُلقي بظلال قاتمة على الاستقرار المعيشي ويزيد من الضغوط النفسية والمادية على المواطن البسيط الذي يدفع ثمن هذا الارتباك دون ذنب. وأمام هذا التراجع الخدمي المُقلق، تبرز مسؤولية «مجلس النواب الليبي»، لا سيما في ظل رئاسته الجديدة، كصوت معبّر عن تطلعات الشارع وممثلٍ لإرادته الرقابية والتشريعية. إن المرحلة الحالية تتطلب توجيه «تعليمات برلمانية صارمة» وعاجلة إلى السلطة التنفيذية والجهات المختصة بقطاع النفط والتوزيع، لإلزامها بوضع خطة عمل فورية تضمن تدفق الوقود إلى سائر المحطات في عموم البلديات والمناطق بعدالة وشفافية، ومعالجة أي تقصير إداري أو تشغيلي يعيق وصول هذه المادة الأساسية لمستحقيها. وتتعاظم أهمية هذا التحرك البرلماني بالنظر إلى المعطيات والمؤشرات الاقتصادية المقلقة التي تضمنتها تقارير وبيانات مصرف ليبيا المركزي، والتي تشير بوضوح إلى «عدم ورود إيرادات مبيعات الوقود» المخصص للسوق المحلي إلى «حسابات الخزانة العامة» وفق الأطر المُحاسبية السليمة. هذا الخلل المالي الجسيم، بالتزامن مع تكرار ضبط وقائع تهريب شحنات المحروقات عبر أعالي البحار والمنافذ البرية للدولة، يؤكد أن الأزمة لا تقف عند حدود زيادة الطلب أو نقص المعروض، بل تتصل بشبكات ومنظومات «غير قانونية» تستنزف موارد البلاد وتنهب مقدرات أجيالها.
إن هذه المؤشرات مُجتمعة تُملي على البرلمان واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل، يتمثل في الشروع فوراً في فتح «ملف توريد وتوزيع الوقود» بالكامل، و»تشكيل لجان تحقيق فنية وقضائية» مُحايدة لتقصي الحقائق والوقوف على مسارات التهريب وحجم الهدر المالي المرافق لها. إن وضع حد لمعاناة المواطن أمام المحطات، وتأمين حقه المشروع في الحصول على الوقود، لا يمكن أن يتحقق بالحلول الترقيعية المؤقتة، بل يبدأ من «1» خلال مساءلة المتورطين بكل حزم، و«2» حماية المال العام من الاستنزاف، و«3» إعادة بسط الرقابة القانونية الصارمة على كل لتر وقود يدخل الأراضي الليبية أو يُنتج فيها.
