رأي

الجامعات الخاصة تحت التقييم.. هل يضمن «اعتماد الجودة» نزاهة الخيجين؟

رضا فحيل البوم

في‭ ‬شهر‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬وجّه‭ ‬مكتب‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬كتاباً‭ ‬رسمياً‭ ‬إلى‭ ‬الوزارات‭ ‬والهيئات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والأجهزة‭ ‬العامة،‭ ‬شدد‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬الجامعات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬الخاصة‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬لضمان‭ ‬جودة‭ ‬واعتماد‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والتدريبية‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬كشرط‭ ‬أساسي‭ ‬قبل‭ ‬قبول‭ ‬المؤهلات‭ ‬العلمية‭ ‬للتعاقد‭ ‬والتعيين،‭ ‬مع‭ ‬إلزام‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬بإحالة‭ ‬الشهادات‭ ‬المزورة‭ ‬إلى‭ ‬مكتب‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬لاتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬القانونية‭ ‬حيال‭ ‬مزوريها‭ ‬ومستخدميها‭. ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬القضائي‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الاعتماد‭ ‬المؤسسي‭ ‬والبرامجي‭ ‬كافيان‭ ‬بمفردهما‭ ‬لضمان‭ ‬سلامة‭ ‬المؤهل‭ ‬ونزاهة‭ ‬الخريج،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬تنفذ‭ ‬منها‭ ‬شهادات‭ ‬صورية‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭. ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬اعترافات‭ ‬حية‭ ‬أطلقها‭ ‬أحد‭ ‬طلاب‭ ‬جامعة‭ ‬خاصة‭ ‬حاصلة‭ ‬على‭ ‬‮«‬اعتماد‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‮»‬،‭ ‬حين‭ ‬لخص‭ ‬كيفية‭ ‬تجاوز‭ ‬المقررات‭ ‬الدراسية‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬أحضر‭ ‬أيام‭ ‬الامتحانات‭ ‬فقط،‭ ‬وأعتمد‭ ‬على‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬هاتفي‭ ‬المحمول‭ ‬للإجابة‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬داخل‭ ‬القاعة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أفتح‭ ‬كتاباً‭ ‬طوال‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي،‭ ‬والمهم‭ ‬أني‭ ‬أدفع‭ ‬الأقساط‭ ‬الشهرية‭ ‬للجامعة‮»‬‭.‬

تفتح‭ ‬هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬الحية‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تساؤلات‭ ‬ملحة‭ ‬حول‭ ‬الفجوة‭ ‬المتزايدة‭ ‬بين‭ ‬استيفاء‭ ‬الجامعة‭ ‬للشروط‭ ‬الشكلية‭ ‬للاعتماد،‭ ‬وبين‭ ‬الضمان‭ ‬الفعلي‭ ‬لكفاءة‭ ‬الطالب‭ ‬ونزاهة‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭. ‬فإن‭ ‬حصول‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬من‭ ‬المركز‭ ‬الوطني‭ ‬يُعد‭ ‬إثباتاً‭ ‬لاستيفاء‭ ‬المعايير‭ ‬التنظيمية‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬واللوائح‭ ‬الإدارية،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يشكل‭ ‬بالضرورة‭ ‬ضمانة‭ ‬لسلامة‭ ‬التحصيل‭ ‬العلمي‭ ‬لكل‭ ‬طالب‭ ‬على‭ ‬حدة‭. ‬فالشهادة‭ ‬الجامعية‭ ‬تفقد‭ ‬قيمتها‭ ‬العلمية‭ ‬والقانونية‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وثيقة‭ ‬شكلية‭ ‬تفقد‭ ‬شرعيتها‭ ‬إذا‭ ‬اختلت‭ ‬أركان‭ ‬التحصيل‭ ‬الأساسية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الغياب‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬المحاضرات،‭ ‬وانقطاع‭ ‬التفاعل‭ ‬الأكاديمي‭ ‬المباشر،‭ ‬وانعدام‭ ‬المذاكرة‭ ‬والاطلاع‭ ‬والجهل‭ ‬التام‭ ‬بالمراجع‭ ‬والمفاهيم‭ ‬الأساسية‭ ‬للتخصص،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالوسائط‭ ‬الذكية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬القاعات‭ ‬الامتحانية‭ ‬للإجابة‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الطالب‭.‬

ومع‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬لأدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والأجهزة‭ ‬الذكية‭ ‬المتناهية‭ ‬الصغر،‭ ‬بات‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬الاختبارات‭ ‬النظرية‭ ‬التقليدية‭ ‬ثغرة‭ ‬صريحة‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬الرقابة‭ ‬الأكاديمية؛‭ ‬فنظام‭ ‬التقييم‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬الاختبارات‭ ‬التحريرية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭ ‬لقياس‭ ‬مهارات‭ ‬الطالب‭ ‬الفعلية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحولت‭ ‬القاعات‭ ‬الامتحانية‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬للرقابة‭ ‬المشددة‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬سهلة‭ ‬لممارسات‭ ‬التزييف‭ ‬والتفوق‭ ‬الوهمي‭. ‬ولإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للشهادات‭ ‬الجامعية،‭ ‬اقترح‭ ‬تفعيل‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬التقييم‭ ‬المتكامل‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالأوراق‭ ‬التحريرية،‭ ‬بل‭ ‬يدمج‭ ‬الاختبارات‭ ‬الشفوية‭ ‬والمناقشات‭ ‬المباشرة‭ ‬والمشاريع‭ ‬التطبيقية،‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬الاختبار‭ ‬الشفوي‭ ‬والمواجهة‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬الأستاذ‭ ‬والطالب‭ ‬الخط‭ ‬الدفاعي‭ ‬الأول‭ ‬لكشف‭ ‬مدى‭ ‬فهم‭ ‬الطالب‭ ‬للجوهر‭ ‬الأكاديمي‭ ‬وإثبات‭ ‬ملكيته‭ ‬الفعلية‭ ‬للمعلومة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الغش‭ ‬أو‭ ‬الحفظ‭ ‬الآلي‭.‬

إن‭ ‬تساهل‭ ‬مركز‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ ‬ووزارت‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والتقني‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬المؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة،‭ ‬والاكتفاء‭ ‬بالاعتماد‭ ‬المؤسسي‭ ‬والبرامجي‭ ‬دون‭ ‬إيفاد‭ ‬لجان‭ ‬تفتيش‭ ‬مفاجئة‭ ‬ومستمرة‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬معايير‭ ‬التعلم‭ ‬الحقيقية،‭ ‬يضر‭ ‬بأهم‭ ‬أصول‭ ‬التعليم‭ ‬وهي‭ ‬النزاهة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬وإن‭ ‬نجحت‭ ‬الوسائل‭ ‬الإلكترونية‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬البعض‭ ‬شهادات‭ ‬جامعية‭ ‬لا‭ ‬يعكسها‭ ‬تحصيل‭ ‬علمي‭ ‬واقعي،‭ ‬فإن‭ ‬اختبارات‭ ‬الكفاءة‭ ‬الميدانية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬ستظل‭ ‬الكاشف‭ ‬الحقيقي‭ ‬والفيصل‭ ‬النهائي‭ ‬لمستوى‭ ‬المعرفة‭ ‬والمهارة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى